فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 700
والقربيّة الّتي كان المرتدّ عملها وأتى بها حال الإيمان، وعمّها الطّباطبائيّ لمطلق الأفعال الّتي يريد الإنسان بها سعادة الحياة، مستندا إلى ورود الحبط فيمن لا عبادة له ولا عمل قربيّ كالكفّار والمنافقين، في جملة من تلك الآيات. وقد أصرّ هو في كلام طويل على أنّ حبطها عبارة عن سقوطها عن التّأثير في سعادة الإنسان في الدّنيا والآخرة، فلاحظ.
الثّالث: اختلفوا في بقاء أعمال المرتدّ معلّقة إلى حين الموت، لقوله في (4) وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ، أو سقوطها رأسا حين الارتداد، وكذلك في عودتها لو رجع إلى الإيمان بعد الارتداد، فعن الشّافعيّ:
أنّ الرّدّة لا تحبط الأعمال حتّى يموت عليها، وعن أبي حنيفة: أنّها تحبطها وإن رجع مسلما لا تعود، وعند الطّباطبائيّ: أنّ هذا النّزاع باطلة من أصله من أجل ما اختاره من أنّ حبط الأعمال هو بطلانها، من حيث التّأثير في سعادته الدّنيويّة والأخرويّة- كما سبق- لكن يرجى ذلك للمرتدّ إن لم يمت على الرّدّة، وإن مات على الرّدّة حتم له الحبط، وكتب عليه الشّقاوة، فكلامه يشعر بالتّعليق أيضا.
الرّابع: قالت المعتزلة استنادا إلى هذه الآيات بالإحباط والتّكفير، والإحباط عندهم: أنّ الأعمال تبطل بعضها بعضا، فكلّ سيّئة لا حقة تبطل الحسنة السّابقة كلّا أو بقدر ما يوازنها من السّيّئة على خلاف بينهم، وكذلك بالعكس كلّ حسنة لاحقة تذهب السّيّئة السّابقة كلّا أو بما يوازيها، ويبقى الباقي سليما عن المنافي في الطّرفين. قال الطّباطبائيّ:"و لازم القولين جميعا أن لا يكون عند الإنسان من أعماله إلّا نوع واحد حسنة أو سيّئة لو كان عنده شي ء منهما".
وقد ردّ عليهم مخالفوهم من الأشاعرة والإماميّة وغيرهما بعد اعترافهم بالتّكفير- كما يأتي- بأنّ قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ التّوبة: 102، ظاهر في اختلاف الأعمال وبقائها إلى أن تلحقها توبة من اللّه.
وبأنّه تعالى جرى في المجازاة على ما جرى عليه العقلاء في أمورهم. وهو احتساب كلّ من الحسنة والسّيّئة على حدّهما، وهذا هو المقبول في حساب الأعمال ومجازاتها حسب ما ثبت في كتب أعمال العباد يوم القيامة، ولو لا ذلك لاستلزم حبط الأعمال كلّها- بلا موازنة- كما قال به بعضهم: الظّلم بالعباد وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فصّلت: 46.
نعم، الحسنة تكفّر السّيّئة، كما قال: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ الأنفال: 29، وإِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ النّساء: 31، بل بعض الأعمال يبدّل السّيّئة حسنة، كما قال: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ الفرقان: 70.
ويبدو أنّ كلّا من التّكفير والتّبديل يقع عقيب التّوبة عن السّيّئة لا بمجرّد عمل الحسنة، ولا ريب أنّ التّوبة تمحي السّيّئات، لاحظ"ت وب"وللبحث حول الإحباط مجال واسع عند المتكلّمين.
الخامس: فرّع الطّباطبائيّ مسألة الإحباط ومسألة