فهرس الكتاب

الصفحة 6151 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 699

المتأدّبين منهم، وكلّهم يعدّون من المؤمنين.

ج- التّصريح بحبط أعمالهم وهم لا يشعرون، فلم يكن صدوره منهم عن قصد وعمد، حتّى يلحقوا بالكفّار.

د- قوله في ذيلها وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وهذا خاصّ بالمؤمن العاصي دون الكافر المعتدي.

ه- ومن هنا يتبيّن لنا أنّ الخطاب في هذه السّورة المدنيّة وإن كان لعامّة المؤمنين إلّا أنّ الذّمّ متوجّه إلى الأعراب الّذين دخلوا في الإسلام جديدا غير متأدّبين بآدابه، دون المهاجرين والأنصار الّذين أطراهم في آيات كثيرة، فإنّهم كما تحكي عنهم السّيرة كانوا يراعون أدبهم مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وهم الّذين قال فيهم: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ... اللّهمّ إلّا الشّاذّ النّادر.

ويؤيّده قوله في آخر السّورة: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ... ويَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ ... الحجرات: 14، 17.

ولهذا قال الطّباطبائيّ:"و ظاهر الآية أنّ رفع الصّوت فوق صوت النّبيّ عليه السّلام والجهر له بالقول معصيتان موجبتان للحبط، فيكون من المعاصي غير الكفر ما يوجب الحبط". ثمّ حكى قول بعضهم بالفرق بين:

الحبط بالكفر والحبط بالعصيان، بأنّ العصيان في هذه الآية يحبط به ثواب ذلك العمل، والكفر يحبط به ثواب سائر الأعمال. وردّه بأنّ الحبط بالكفر تعلّق في الآيات بنفس الأعمال أيضا.

وحكى وجها آخر لإلحاق العصيان في هذه الآية بالكفر، وهو أنّ رفع الصّوت فوق صوته والجهر له بالقول ليسا محبطين بنفسهما، بل من حيث إدّائهما أحيانا إلى إيذائه، وإيذاؤه كفر، فنهى عنهما مطلقا، لأنّهما مظنّة الكفر، وإن كان منهما ما لا يؤذيه، لكن يلتبس أحدهما بالآخر، كما قال: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ.

وردّه أيضا بأنّ ظاهر الآية النّهي النّفسيّ عنهما دون المقدّميّ أخذا بالاحتياط وحذرا عن القسم المؤذي، والّذين كانوا يأتون بهما مؤمنون، كما قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وهم وإن أمكن أن يسامحوا في بعض السّيّئات بحسبانه هيّنا، لكنّهم لا يرضون ببطلان إيمانهم وأعمالهم الصّالحة من أصله. لاحظ نصّ الآلوسيّ والطّباطبائيّ.

رابعا: الحبط لغة، كما تقدّم: نفخ البطن واستعير- كما قال الرّضيّ- للفساد والهلاك والبطلان ونحوها، وقد شاع فيها كالمعنى الحقيقيّ ولا سيّما في الآيات. وقد تعلّق الحبط فيها جميعا بالأعمال، وقد فسّروها ب"بطل ثوابها، بطل عمله"يبطل وتسقط لا يستحقّون عليها ثوابا، فسد أعمالهم، ليس شيئا عند اللّه، لا يحصلون عنها على نتيجة، بطلت أعمالهم وردّت حسناتهم، صارت بمنزلة ما لم يكن، صارت أعمالهم فاسدة كأن لم يكن، سقوط العمل عن التّأثير ونحوها، والمعنى واحد وإن اختلفت ألفاظهم، ومع ذلك فقد اختلفوا في أمور:

الأوّل: أنّ أكثرهم خصّ حبط الأعمال بالكفر، وقد سبق أنّ آية الحجرات (12) دلّت على الحبط بالعصيان.

الثّاني: يظهر منهم أنّه خاصّ بالأعمال العباديّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت