فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 784
يكن بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله مستثنى من هذا القانون، بل كانوا يأتون إليه سواء كان الوقت مناسبا أم غير مناسب، ويستعيرون من نساء النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله شيئا. ومن الواضح أنّ جعل نساء النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله عرضة لأنظار النّاس- وإن كنّ يرتدين الحجاب الإسلاميّ- لم يكن بالأمر الحسن، ولذلك صدر الأمر إلى النّاس أن يأخذوا الأشياء من خلف حجاب أو من خلف الباب.
والمسألة الّتي ينبغي الانتباه إليها هنا هي أنّه ليس المراد من الحجاب في هذه الآية لباس النّساء، بل هو حكم يضاف إلى ما كان خاصّا بنساء النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله، وهو:
أنّ النّاس مكلّفون إذا ما أرادوا شيئا من نساء النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أن يأخذوه من وراء حجاب لظروف نساء النّبيّ الخاصّة، ويجب عليهنّ أن لا يخرجن إلى النّاس ويظهرن لهم في مثل هذه الموارد حتّى وإن كنّ محجّبات، وهذا الحكم لم يرد طبعا في شأن النّساء الأخريات، بل يكفيهنّ أن يراعين الحجاب الكافي.
والشّاهد لهذا الكلام أنّ كلمة"الحجاب"وإن كانت تستعمل في المحادثات اليوميّة بمعنى حجاب المرأة، إلّا أنّها ليس لها مثل هذا المعنى لا في كتب اللّغة، ولا في تعبيرات فقهائنا. فالحجاب في اللّغة، هو الشّي ء الّذي يحول بين شيئين، ولذلك أطلق على الغشاء الموجود بين الأمعاء والقلب والرّئة اسم: الحجاب الحاجز.
وقد استعمل القرآن الكريم هذه الكلمة بمعنى الحائل أو السّاتر في كلّ موضع، كالآية: 45 من سورة الإسراء؛ حيث تقول: جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا، ونقرأ في الآية: 32 من سورة ص: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ، وجاء في الآية: 51 من سورة الشّورى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
أمّا في كلمات الفقهاء فقد استعملت كلمة"السّتر"فيما يتعلّق بلباس النّساء، منذ قديم الأيّام وإلى يومنا هذا، وورد أيضا في الرّوايات الإسلاميّة هذا التّعبير أو ما يشبهه. واستعمال كلمة"الحجاب"في شأن لباس المرأة اصطلاح ظهر في عصرنا على الأكثر، وإذا وجد في التّواريخ والرّوايات فقليل جدّا.
والشّاهد الآخر هو ما نقرؤه في الحديث المرويّ عن أنس بن مالك خادم النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله الخاصّ؛ حيث يقول: أنا أعلم النّاس بهذه الآية- آية الحجاب- لمّا أهديت زينب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله- كانت معه في البيت- صنع طعاما، ودعا القوم فقعدوا يتحدّثون، فجعل النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله يخرج ثمّ يرجع وهم قعود يتحدّثون، فأنزل اللّه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِ الأحزاب: 51، إلى قوله:
مِنْ وَراءِ حِجابٍ فضرب الحجاب، وقام القوم.
وفي رواية أخرى عن أنس أنّه قال: أرخى السّتر بيني وبينه، فلمّا رأى القوم ذلك تفرّقوا.
بناء على هذا فإنّ الإسلام لم يأمر النّساء المسلمات بأن يجلسن خلف السّتور، ولا يبرحن دورهنّ، وليس لتعبير"المحجّبات"في شأن النّساء أو أمثاله من التّعبيرات صفة إسلاميّة، أو بعد إسلاميّ، بل إنّ ما يلزم المرأة المسلمة هو محافظتها على الحجاب الإسلاميّ، إلّا أنّ نساء النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله قد أمرن بهذا الأمر الخاصّ بسبب وجود أعداء كثيرين، ومتتبّعين للعيوب والمغرضين، وكان من