فهرس الكتاب

الصفحة 6318 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 866

الواحد وإرساله الأنبياء بالحجج الّتي يعجز عنها المخلوقون"أو"الحجّة البالغة: تبيين التّوحيد وإبداء الرّسل بالمعجزات، ولزوم أمره كلّ مكلّف"وأشباهها، فإنّها خارجة عن منطوق هذه الآية، وإن تعمّها ملاكا على أنّها توجب فصلها عمّا جاء قبلها مباشرة."

وقد أرجعها مغنيّة إلى الحجج الدّافعة الّتي أفهم بها إبراهيم قومه، وقال:"أي نحن ألهمناه إيّاها، وأنّ الأنبياء هم لسان اللّه والرّادّ عليهم كالرّادّ على اللّه".

وهذا أيضا يقتضي فصلها مع وجود شاهد الوصل.

وقد أطال الفخر الرّازيّ في بيان الحجّة البالغة بوجهين:

أوّلهما: أنّه أقدركم على الخير والشّرّ بما أعطاكم من العقل والفهم والأبصار والآذان، فادّعاءكم أنّكم عاجزون عن الإيمان والطّاعة دعوى باطلة.

وثانيهما: أنّكم تقولون: لو وقعت أفعالنا على خلاف مشيئة اللّه لكنّا قد غلبنا اللّه، وللزم عجزه وضعفه، والقدح فيه.

والجواب: أنّ العجز والضّعف إنّما يلزم إذا لم أكن قادرا على حملكم على الإيمان والطّاعة، ولكنّي قادر على ذلك فلو شئت لهديتكم وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ.

وكلّ هذه الوجوه لا يخلو عن لطف، إلّا أنّ الموافق للسّياق هو ما قلناه من اتّصالها بما قبلها.

د: جاء في ذيلها وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ وهذا ردّ لادّعائهم فيما قبلها: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْ ءٍ ومرادهم أنّ اللّه شاء ذلك منهم وأنّهم مجبورون بالشّرك والتّحريم، ونظيرها: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ ءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ ءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ النّحل: 35.

وذيلها وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ إكمال لتلك الحجّة- وفاء التّفريع تربطها بما قبلها- وبيان لها بأنّ هؤلاء إذا عجزوا عن إقامة حجّة على ما ادّعوه على اللّه من الجبر والإلجاء، فللّه الحجّة البالغة عليهم في نفي الجبر، بأنّه لو أراد الإلجاء لألجأهم إلى الإيمان وهداهم جميعا، لكنّه لم يفعل ذلك، وإن كان حسنا، فكيف يلجأهم إلى الشّرك وهو قبيح؟ والإلجاء بهما ينافي التّكليف. هذا ما أفاده الطّبرسيّ أيضا.

وأمّا الفخر الرّازيّ: فقد وصله بالوجه الثّاني ممّا ذكره في تقرير حجّتهم، وهو أنّهم ادّعوا عجز اللّه وضعفه لو غلبوه في مشيئته، فأجاب بأنّ العجز والضّعف إنّما يلزم إذا لم أكن قادرا على حملهم على الإيمان والطّاعة إلجاء، ولكنّي قادر عليه، ولا ألجئهم، لأنّه يبطل الحكمة المطلوبة من التّكليف.

فهذان رؤيتان في تفسير الآية قريبتان.

ه: جاءت في الآيتين: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا- إلى- فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ للّه مشيئتان: إحداهما: ما أثبته المشركون للّه افتراء وكذبا على اللّه، وثانيتهما: ما أثبته اللّه لنفسه. وقد فرّق الطّبرسيّ ج 2: 381، بين المشيئتين بأنّ اللّه أثبت الثّانية وهي مشيئة الاختيار، ونفي الأولى وهي مشيئة الإلجاء. ومراده أنّ مشيئة اللّه هدايتهم ليست جبريّة، فهو مختار في هذه المشيئة، فله أن يشاء هدايتهم وله أن لا يشاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت