فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 867
وليس هذا فارقا، لأنّ المشركين لم يدّعوا أيضا أنّ اللّه مجبور في مشيئته الإشراك والتّحريم، بل ادّعوا بمفهوم الآية- لا بمنطوقها- أنّ اللّه أجبرهم بمشيئته على ذلك، وكان له أن لا يجبرهم. وقد قلنا في الثّانية: إنّه لو شاء لهداهم جبرا، ولكنّه لم يشأ إلجاءهم باختياره، وبعبارة أخرى إنّ المشيئتين كلتاهما اختياريّ للّه وقد توجبان الإلجاء للعباد، ولكنّهما جميعا منفيّان، لما سبق من أنّ الإلجاء على الكفر أو الإيمان ينافي التّكليف، ولهذا جاءتا خلف (لو) (لو شاء) وهي لامتناع التّالي لامتناع المقدّم، مع أنّ صدر كلامه وذيله متضادّان، فلاحظ.
3 -هذا تمام البحث في (21 و22) والحجّة فيهما للّه وهي حقّ، وأمّا باقي الآيات الأربعة (23 - 26) فالحجّة فيها لغير اللّه وكلّها باطلة، كما يأتي:
الأولى (23) : جاءت بشأن تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة، والحجّة فيها لليهود أو للمشركين أو لهم جميعا:
أمّا اليهود، فقالوا: كنت وأصحابك تصلّون إلى بيت المقدس، فإن كان ضلالا فقد مات أصحابك عليه، وإن كان هدى فقد حوّلت عنه.
أو قالوا: مادرى محمّد وأصحابه أين قبلتهم حتّى هديناهم نحن.
أو قالوا: يخالفنا محمّد في ديننا ويتّبع قبلتنا. فقطع اللّه حجّتهم وحسمه بتحويل القبلة من قبلتهم إلى قبلة إبراهيم عليه السّلام.
أو قالوا: إنّ النّبيّ الّذي نجده في كتابنا ليحوّل إلى قبلة إبراهيم، ولم تحوّل أنت؟
أو قالوا: ما توجّه إلى قبلتنا إلّا أنّا كنّا أهدى منه، وغير ذلك.
وأمّا المشركون فقالوا: إنّه يدّعي ملّة إبراهيم ويخالف قبلته. وأيّا ما كان فبتحويل القبلة بطلت حجّة الفريقين.
أمّا قول بعضهم في حجّة المشركين: إنّهم قالوا: قد رجع إلى قبلتكم ويوشك أن يعود إلى دينكم، فهذا لا يبطل بتحويل القبلة وليس فيه حجّة. وكذا قول الجبّائيّ إنّ معناه: لا تعدلوا عمّا أمركم اللّه به من التّوجّه إلى الكعبة، فتكون لهم عليكم حجّة بأن يقولوا: لو كنتم تعلمون أنّه من عند اللّه لما عدلتم عنه؟ وفول بعضهم: إنّ اليهود قالوا: ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلّا ميلا إلى دين قومه وحبّا لبلده، ولو كان على الحقّ للزم قبلتنا، فإنّهما لا ينسجمان مع سياق الآية.
4 -وهاهنا بحوث:
أ- تسمية باطلهم حجّة، إمّا لأنّهم يسوقونه سياق الحجّة، أو أريد بالحجّة: المحاجّة والجدال، وأنّ كلّ كلام يقصد به غلبة الغير فهو حجّة، وقد أطلقت على الباطل صراحة في (19) : حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
ب- الاستثناء في إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ* إمّا متّصل، ولازمه أنّ لهؤلاء الظّالمين حجّة ولكنّها حجّة باطلة، كما سبق، وإمّا منقطع فلا يعدّ كلامهم حجّة أصلا لا حقّا ولا باطلا، بل ظلما فقط، فهو كقول الرّجل لصاحبه:"مالك عندي حقّ إلّا أن تظلم أو تقول الباطل".
وقيل: (الّا) بمعنى"لكن"أو"واو العطف"مثل