فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 45
فهنا سؤالان: لماذا جاءت في هذه"بيوت"وفي ذاك"حجرات"، ولماذا أطلقت (الحجرات) وأضيفت (بيوت) ؟
والجواب عن الأوّل: أنّ الحجرات والبيوت في المحاورات العامّة واحدة، إلّا أنّهما من حيث الجذر مختلفتان، فالحجرة- كما سبق- من"الحجر"أي المنع، وهي المكان المحدّد لصاحبها الممنوع لغيره، يختلي هو فيها بأهله، ويحفظ موضعه في المجتمع، ففيها نوع حرمة وعورة. ولمّا كان الّذين ينادونه من وراء الحجرات يهتكونه بندائه في حرمه، فكان التّعبير عنه ب"الحجرة"أوقع وأنسب، كأنّه قال: لماذا لا تراعون موضعه فيكم وتهتكونه في حرمه وحرمه، ولا تحفظون كرامته في حياته الشّخصيّة الدّاخليّة الأسرويّة، فهذا هتك لحرمته عليه السّلام.
ويؤيّده أنّ هذه من جملة آيات صدر سورة الحجرات- وبها سمّيت إجلالا للنّبيّ عليه السّلام- وفي هذه الآيات أدب العشرة مع النّبيّ عليه السّلام، ووظائف النّاس حياله، رعاية لمقامه الرّفيع.
وأمّا"البيت"فهو في الأصل من"البيتوتة"أي موضع النّوم والاستراحة ليلا، وهو ألصق بالمنع عن دخول بيوته في لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِ ويؤيّده ما بعدها إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ ... إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ...
وكذا في وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ ووَ اذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَ فإنّ بيوتهنّ مواضع الاستراحة والاحتفاظ والخلوة، وكانت تتلى فيها الآيات ليلا ونهارا وهنّ في راحة وخلوة. فالتّعبير ب (بيوت) في الآيات الثّلاث أنسب بما أريد منها من الرّاحة وعدم المضايقة.
وحاصل الفرق بين اللّفظين: (الحجرات) و (البيوت) أنّ التّركيز في الأوّل على الاحترام والتّكريم، وفي الثّاني على الخلوة والسّكون والرّاحة.
وهناك فرق آخر بينهما، وهو إطلاق"الحجرة"على الغرفة فقط الخاصّة به عليه السّلام، و"البيت"على مجموع ما خلف الباب، فهذا أوسع مفهوما من ذاك.
وأمّا الجواب عن السّؤال الثّاني، وهو لم أطلقت (الحجرات) وأضيفت (بيوت) ؟ - فقد سبق أنّه مشعر بشهرتها وموضعها الرّفيعة عند اللّه وعند النّاس كمسجده وبلده، فالإطلاق فيها كان ينصرف إلى حجراته. أمّا (البيوت) فلم يكن يفهم منها المقصود إلّا بالإضافة إمّا إلى النّبيّ، أو إلى نسائه عليه السّلام، لاحظ البيوت، الاستعمال القرآنيّ الرّقم السّابع.
4 -قالوا:"حجرة"فعلة بمعنى المفعول ك"غرفة وقيضة"أي المحجورة والممنوعة، و"حجرات"جمع لها عند الزّمخشريّ وغيره، وعند آخرين جمع الجمع، فهو جمع الحجر، والحجر: جمع حجرة، والحكم فيه لعلماء اللّغة.
5 -القراءة المشهورة (الْحُجُراتِ) بضمّ الحاء والجيم، وقد قرئ بضمّ الحاء مع فتح الجيم وسكونها. واحتجّ لها الطّبرسيّ- كعادته- بأنّ من قرأ بفتح الجيم أبدل من الضّمّة فتحة، استثقالا لتوالي الضّمّتين، ومن أسكن الجيم فهو مثل عضد وعضد، ولنا في كثير من الحجج على القراءات نظر، لاحظ بحث القراءات في المدخل.