فهرس الكتاب

الصفحة 6560 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 232

المسيّب وغيرهم مثل قول مالك: إنّ الإمام مخيّر، ومن حجّة هذا القول أنّ ما كان في القرآن"أو، أو"، فإنّه للتّخيير، كقوله تعالى: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ البقرة: 196، وكآية كفّارة اليمين وآية جزاء الصّيد.

ورجّح الطّبريّ القول الآخر وهو أحوط للمفتي ولدم المحارب، وقول مالك أسدّ للذّريعة وأحفظ للنّاس والطّرق، والمخيف في حكم القاتل، ومع ذلك فما لك يرى فيه الأخذ بأيسر العقوبات استحسانا.

وذكر الطّبريّ عن أنس بن مالك أنّه قال: سأل رسول اللّه جبرئيل عليهما السّلام عن الحكم في المحارب، فقال:

من أخاف السّبيل وأخذ المال فاقطع يده للأخذ، ورجله للإخافة، ومن قتل فاقتله، ومن جمع ذلك فاصلبه. وبقي النّفي للمخيف فقط. وقوله تعالى: يُحارِبُونَ اللَّهَ تغليظ جعل ارتكاب نهيه محاربة، وقيل: التّقدير يحاربون عباد اللّه، ففي الكلام حذف مضاف. (2: 183)

ابن العربيّ: فيها اثنتا عشرة مسألة:

المسألة الأولى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ظاهرها محال؛ فإنّ اللّه سبحانه لا يحارب ولا يغالب ولا يشاقّ ولا يحادّ لوجهين:

أحدهما: ما هو عليه من صفات الجلال، وعموم القدرة والإرادة على الكمال، وما وجب له من التّنزّه عن الأضداد والأنداد.

الثّاني: أنّ ذلك يقتضي أن يكون كلّ واحد من المتحاربين في جهة وفريق عن الآخر. والجهة على اللّه تعالى محال، وقد قال جماعة من المفسّرين: لما وجب من حمل الآية على المجاز، معناه يحاربون أولياء اللّه، وعبّر بنفسه العزيزة سبحانه عن أوليائه إكبارا لإذايتهم، كما عبّر بنفسه عن الفقراء في قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا البقرة: 245؛ لطفا بهم ورحمة لهم، وكشفا للغطاء عنه بقوله في الحديث الصّحيح:

عبدي مرضت فلم تعدني، وجعت فلم تطعمني، وعطشت فلم تسقني، فيقول: وكيف ذلك وأنت ربّ العالمين؟ فيقول: مرض عبدي فلان، ولو عدته لوجدتني عنده. وذلك كلّه على البارئ سبحانه محال، ولكنّه كني بذلك عنه تشريفا له، كذلك في مسألتنا مثله.

وقد قال المفسّرون: إنّ الحرابة هي الكفر، وهي معنى صحيح، لأنّ الكفر يبعث على الحرب؛ وهذا مبيّن في مسائل الخلاف.

المسألة الثّانية: في سبب نزولها، وفيها خمسة أقوال:

الأوّل: أنّها نزلت في أهل الكتاب؛ نقضوا العهد، وأخافوا السّبيل، وأفسدوا في الأرض، فخيّر اللّه نبيّه فيهم.

الثّاني: نزلت في المشركين، قاله الحسن.

الثّالث: نزلت في عكل أو عرينة، قدم منهم نفر على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة وتكلّموا بالإسلام، فقالوا: يا نبيّ اللّه؛ إنّا كنّا أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا حتّى إذا كانوا بناحية الحرّة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، واستاقوا الذّود. فبلغ ذلك النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فبعث الطّلب في آثارهم، فأمر بهم فسملوا أعينهم، وقطعوا أيديهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت