المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 291
وأجاب عنه خليل ياسين بأنّ لفظة"حرث"في معرض الحذف، ويصحّ حلول ما بعدها محلّها، فالضّمير راجع إلى"الدّنيا"لا إلى"الحرث"كما في: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ الأعراف: 56، أي إنّ اللّه قريب، ونقول: إنّ أمر الضّمير في المؤنّث المجازيّ سهل يجوز فيه الوجهان.
10 -وتلك عشرة كاملة: هذه الآية من سورة الشّورى تشبه الآية 18 و 19 من سورة الإسراء، وكلتاهما مكّيّة: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا* وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا إلّا أنّ بينهما فروقا:
أ: جاء في الشّورى حَرْثَ الدُّنْيا وحَرْثَ الْآخِرَةِ تركيزا على العمل المثمر:"الحرث"، وفي الإسراء- وهي مقدّمة على الشّورى نزولا- (العاجلة) و (الاخرة) تركيزا على الدّار، دون العمل.
ب: جاء في الإسراء عَجَّلْنا لَهُ فِيها تجانسا ل"العاجلة"، وفي الشّورى (نؤته) من دون تجانس لفعل سبقه.
ج: جاء في الشّورى (منها) أي بعض ما يريد، وفي الإسراء ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ فعلّقه على مشيئته مقدارا وشخصا، أي لا يعجّل له كلّ ما يريد، ولا لكلّ من يريد.
د: حتم جهنّم في الآخرة بما وصفت به على من يريد العاجلة، وحتم الجزاء المشكور على من أراد الآخرة من دون ذكر الجنّة، تكبيرا وتعمية ليذهب ذهن السّامع إلى كلّ مذهب ممكن.
ه: أطلق من يريد العاجلة، وقيّد من أراد الآخرة ب (أمرين) : سَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فالأمر فيمن أراد الآخرة مشروط مضيّق، دون من أراد العاجلة، لأنّ"العاجلة"تنطوي فيها كلّ رذيلة وجمعها، فقد الإيمان بالدّار الآخرة، وبالبعث والحساب والجزاء.
و: وجاء فيهما فعل"الإرادة"في الفريقين، لأنّ الجزاء يترتّب عليها وهي دالّة على السّعي، إلّا أنّ في الشّورى مَنْ كانَ يُرِيدُ مرّتين فيهما، وكذلك في الإسراء مرّة في الأولى مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ، وفي الثّانية وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ ومعلوم أنّ مَنْ كانَ يُرِيدُ يفيد الاستمرار- كما سبق- دون (من أراد) فلا استمرار فيه، إلّا أنّه استدركه بضمّ (و سعى لها سعيها) إليه فإنّه دالّ على الاستمرار وزيادة؛ حيث كرّر السّعي فيه مرّتين: فعلا ومصدرا، لاحظ"س ع ي".
ز:- وهو العمدة- قدّم الآخرة على الدّنيا في الشّورى اهتماما بها- كما سبق- وأخّرها في الإسراء تماشيا للأمر الواقع من سبق الدّنيا الآخرة.
ح: سورة الإسراء نزلت قبل الشّورى، فجاء فيها آية (العاجلة) تفصيلا لحال مريد الدّنيا، ومريد الآخرة في آيتين، وجاء موجزا في الشّورى في آية واحدة، مع ما بينهما من الفروق السّابقة.