فهرس الكتاب

الصفحة 6619 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 290

أ- قدّم مريد حرث الآخرة على مريد حرث الدّنيا في الذّكر تفضيلا له، كما قال عليه السّلام:"نحن الآخرون السّابقون".

ب: قال في مريد حرث الآخرة: نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وفي مريد حرث الدّنيا نُؤْتِهِ مِنْها، وكلمة (من) للتّبعيض فيعطيه بعضه دون كلّه، كما قال: عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ الإسراء: 18.

ثمّ أيّده بالبرهان العقليّ في البابين، لأنّ من عمل للآخرة وواظب عليه فكثرة الأعمال توجب حصول الملكات، فكلّما كانت مواظبته عليها أكثر كان ميله إلى طلب الآخرة أشدّ، فكان الابتهاج بها أعظم والسّعادات أكثر.

وأمّا طالب الدّنيا فكلّما كانت مواظبته على أعمالها أكثر، كانت رغبته في الفوز بالدّنيا أكثر، وميله إليها أشدّ.

وإذا كان الميل أبدا في التّزايد بقي على حالة واحدة وكان الحرمان لازما له.

ج: إنّه قال في حرث الآخرة: نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وبقي ساكتا عن إعطائه الدّنيا والآخرة، كأنّه يقول:

الآخرة أصل والدّنيا فرع. فواجد الأصل واجد للفرع بقدر الحاجة إلّا أنّه لم يذكره، لأنّ الدّنيا أخسّ من أن يقرن بالآخرة.

د: إنّه بيّن في نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ أنّ طالب الآخرة يكون حاله أبدا في التّرقّي والتّزايد، وفي نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ أنّ طالب الدّنيا في الدّنيا حاله في نقصان، وفي الآخرة في تمام البطلان.

ه: إنّ الآخرة نسيئة والدّنيا نقد، والنّسيئة مرجوحة عند النّاس بالنّسبة إلى النّقد، فبيّن اللّه أنّ هذه القضيّة معكوسة في أحوال الدّنيا والآخرة، والآخرة وإن كانت نسيئة إلّا أنّها متوجّهة للزّيادة والدّوام، والدّنيا وإن كانت نقدا إلّا أنّها متوجّهة إلى النّقصان، ثمّ إلى البطلان، فهي أرذل وأخسّ، ولا نسبة بينهما، وإنّ للدّنيا مجرّد اسم من أحوال الآخرة.

ز: ما تقدّم منه أنّ كلمة"حرث"فيهما تدلّ على وجود السّعي وتحمّل المتاعب فيهما- وأنّ الآخرة في تزايد والدّنيا في نقصان- فصرف المتاعب فيما هو في التّزايد والبقاء، أولى من صرفها فيما يكون في النّقصان والفناء.

و: ونضيف نحن وجها سابعا ذكره ابن عطيّة وهو:

أنّ الوعد في حرث الآخرة منجّز دون حرث الدّنيا، لأنّ معنى نُؤْتِهِ مِنْها ما شئنا ولمن نشاء، كما قال: عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ الإسراء: 18، فربّ طالب للدّنيا محروم منها.

8 -طرح عبد الجبّار سؤالا: كيف قال فيمن يريد حرث الدّنيا: وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ومعلوم أنّ فيمن يريد حرث الدّنيا من له نصيب في الآخرة؟

وأجاب: بأنّ المراد: من كانت إرادته مقصورة على حرث الدّنيا فلا نصيب له في الآخرة.

ونقول: سياق الآية ينفي السّؤال رأسا، فلا موقع له أصلا.

9 -قال: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها فأنّث الضّمير (منها) وهو راجع إلى"حرث"؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت