فهرس الكتاب

الصفحة 6618 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 289

أعمالنا هي البذور، والإمكانات الإلهيّة هي المطر لهذه المزرعة- إلى أن قال- يستفاد منها أنّ الدّنيا والآخرة تحتاجان إلى السّعي، ولا يمكن نيلهما بدون تعب وأذى ..."."

فنرى أنّهم جميعا معجبون بلفظ"الحرث"فيها، وحريصون على تصويره تصويرا رائعا.

4 -واهتماما بذلك فقد كرّر"الحرث"فيها ثلاث مرّات: مرّتين في حرث الآخرة بتكرار لفظه مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ تفضيلا لها على الدّنيا، ومرّة في حرث الدّنيا بلفظه ومرّة بضميره وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها.

5 -جاء في كلّ منهما: مَنْ كانَ يُرِيدُ بدل"من عمل عملهما"ونحوه، تعميما لكلّ عامل بلفظ (من) ، وإعلاما باشتراط استمرار العمل فيهما بلفظ (كان) الدّالّ على دوام العمل في الماضي، فلا تعمّ كلّ عمل، ولا كلّ عامل، وباشتراط الإرادة والقصد والنّيّة في عملهما بلفظ (يريد) ، فلا تعمّ الأعمال غير المقصودة، سواء أعمال الآخرة أو الدّنيا.

وفيه إشعار بالجدّ والسّعي، كما قال: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى النّجم:

39، 40، وبأنّ الأعمال تتميّز حسنا وقبحا بالنّيّات، كما قال النّبيّ عليه السّلام:"إنّما الأعمال بالنّيّات".

وقد أكّد العرفاء وأهل السّلوك في تعاليمهم"الإرادة"واصطلحوا إطلاق"المريد"على السّالك الصّادق أخذا، من مثل: وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا الإسراء: 19، لاحظ"رود: أراد".

6 -قالوا في نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، فضاعف أجره عشرا إلى سبعمئة وأزيد، استنادا إلى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها الأنعام: 160، وكَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ البقرة: 261، فحملوا"الحرث"فيها على ثواب الأعمال، مع أنّ الحرث في أوّلها وآخرها نفس الأعمال، كما سبق.

وحمله القشيريّ على الأعمال الحسنة في الدّنيا وثوابها في الآخرة، فقال:"نزده اليوم في الطّاعات توفيقا، وفي المعارف وصفاء الحالات تحقيقا، ونزده في الآخرة ثوابا واقترابا وفنون نجاة وصنوف درجات".

وهذا موافق لمعنى"الحرث"في أوّلها وآخرها، فإنّ"الحرث"أطلق على العمل بما ينتجه من الثّواب والعقاب، فيعمّ الدّنيا والآخرة. ولا يبعد عنه قول الزّمخشريّ:"من عمل للآخرة وفّق في عمله وضوعفت حسناته".

وقد حكى الفخر الرّازيّ الوجهين، أي الأعمال وثوابهما، وأيّدهما بحديث، من دون ترجيح.

وذكر القرطبيّ ثلاثة وجوه: الأعمال، وثوابها، ومجموعهما، وأضاف: وقيل: الآية في الغزو، أي من أراد بغزوه الآخرة أوتي الثّواب، ومن أراد بغزوه الغنيمة أوتي منها.

ونقول: إنّ الآية بعمومها تشمل الغزو، ولكنّها لا تخصّه، لأنّها مكّيّة، والغزو خاصّ بالمدينة.

7 -استفاد الفخر الرّازيّ منها وجوها من الفرق بين من أراد الآخرة ومن أراد الدّنيا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت