المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 359
بحروف أخرى، فلا ضير أن يقال: حرديّ أو هرديّ.
الاستعمال القرآنيّ
جاء منها لفظ واحد مصدرا في سورة مكّيّة:
وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ القلم: 25
يلاحظ أوّلا: أنّ (حرد) جاء في قصّة أصحاب الجنّة الّتي وصفها اللّه في آيات: كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ* وَلا يَسْتَثْنُونَ* فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ* فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ* فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ* أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ* فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ* أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ* وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ والآيات قبلها تحاكي الخشونة والغضب والبخل والإمساك عن التّصدّق على المساكين، وعن الاستثناء أي قول"إن شاء اللّه". والآيات بعدها تحاكي النّدم والتّوبة والاعتراف بالظّلم والتّقصير، وتبرّك التّسبيح، أي الاستثناء، ولكن لم ينفعهم ذلك.
ثانيا: فسّروا (حرد) بقدرة، جدّ، إجماع، انفراد، فاقة، وحاجة، حنق وغضب، قصد، منع- أي منع الفقراء- وحمله الطّبريّ على الأخير بحجّة أنّه المعروف من كلام العرب. وكلّ محتمل ولكنّ الأنسب، بما قبله فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ أي يتفاهمون خفية حتّى لا يسمعه أحد، أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ هو المنع حيث كانوا مصرّين على منع المساكين بجدّ، أي أصبحوا جازمين، بأنّهم قادرون على منعهم من خيراتها.
قال الزّمخشريّ:"الحرد: من حاردت السّنة، إذا منعت خيرها، وحاردت الإبل، إذا منعت درّها. والمعنى:"
وغدوا قادرين على نكد لا غير، عاجزين عن النّفع، يعني أنّهم عزموا أن يتنكّدوا على المساكين ويحرمونهم وهم قادرون على نفعهم ..."."
ولو قيل: إنّ (حرد) هو المنع عن الخير بجدّ وقصد وحنق، لا مطلق المنع، لكان حسنا قريبا.
ثالثا: قال الآلوسيّ:"الجارّ- أي (على حرد) - متعلّق ب (قادرين) للحصر ورعاية الفواصل، أي وغدوا قادرين على منع لا غير". ثمّ أدام نحو الزّمخشريّ. وكأنّ قيد"غير عاجزين عن النّفع". مستفاد من المقام، لأنّ من كان قادرا على المنع فهو قادر على النّفع بطريق أولى، وقوله:"قدّم (حرد) للحصر"فيه تأمّل؛ إذ ليس هنا مقام الحصر، بل أخّر عنه (قادرين) رعاية للفواصل فقط.
ثمّ قال:"و جوّز أن يكون (على حرد) متعلّقا ب (غدوا) وجاء (حرد) مشاكلة للحرث الّذي في أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ أي لم يغدوا على حرث، وإنّما على حرد. و (قادرين) من عكس الكلام للتّهكّم، أي ما قدروا عليه"وهو بعيد وقال المصطفويّ:"أصبحوا على نظر التّنحّي عن المساكين والحدّة عليهم، مع أنّهم كانوا قادرين على الدّرّ والخير، ولكنّهم نكدوا"وهو بعيد أيضا.
رابعا: قال بعضهم (قادرين) حال وقيل: خبر (غدوا) لأنّها حملت على"أصبحوا". ولا بأس به، لأنّ"غدا"ملحق بالأفعال النّاقصة.
خامسا: انفرد القرطبيّ بقوله في (حرد) :"قرأ العامّة بالإسكان، وقرأ أبو العالية وابن السّميقع بالفتح وهما لغتان". ولم يذكره الطّبريّ، مع التزامه بذكر القراءات المعتبرة.