المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 397
هي؟ وما هو اسمها، وما هي صفاتها الذّاتيّة؟ لأنّ ذلك كلّه لا يمثّل شيئا في ما تهدف إليه القصّة من الحديث، عن الرّوحيّة الّتي كان يعيشها آل عمران، وعن إخلاصهم العظيم للّه، وعن النّمط المميّز من التّفكير الّذي كان يطبع وعيهم، فقد فقدت هذه المرأة زوجها بعد أن حملت منه، وربّما كان إنسانا صالحا يعيش في خدمة بيت اللّه، وبدأت تفكّر في مستقبل هذا الولد، ولم تفكّر تفكيرا ذاتيّا أنانيّا كما يفكّر الكثيرون في الانتفاع بأولادهم، من ناحية مادّيّة أو معنويّة، في ما يكسبه من مال، وفي ما يحصل عليه من جاه، بل فكّرت في أن يكون خادما للّه، وهذا ما تعنيه كلمة (محرّرا) بحيث لا يكون خاضعا لأيّة سلطة بشريّة، سواء في ذلك سلطة والديه أو سلطة الآخرين.
فهو لا يعمل لأحد ولا يدخل في خدمة أحد، بل يعمل للّه ويخدم بيته، فيكون حرّا أمام الآخرين في ما يملكه من سلطان نفسه تجاههم، وعبدا أمام اللّه باعتباره خادما أمينا له، فنذرته للّه، وكان هذا النّذر مشروعا في شريعتهم، وأرادت من خلاله أن تتقرّب إلى اللّه، لأنّها لا تملك شيئا تقدّمه إليه غير ذلك. إنّه نوع من القربان الحيّ المتحرّك الّذي تقدّمه الأمّ إلى خالقها ليظلّ في طاعته وخدمته. وابتهلت إليه أن يتقبّله منها، فإنّه السّميع الّذي يسمع دعوات عباده المخلصين له، العليم الّذي يعلم إخلاصهم الرّوحيّ في عبادته.
وبقيت هذه المرأة الصّالحة في أجواء هذه الرّوحيّة طيلة أيّام الحمل، وجاء اليوم الموعود الّذي انتظرته ليتحقّق حملها، وكانت المفاجأة غير المنتظرة، فالمولود أنثى، والأنثى لا تصلح للخدمة في بيت المقدس، لأنّها من شؤون الذّكور، فهتفت هتاف اليائس المعتذر الخائب، لتعلن أنّ الحلم لم يتحقّق، ولم تكن بحاجة إلى هذا الإعلان. فإنّ اللّه أعلم بما وضعت، لأنّه هو الّذي خلقه وصوّره، وليس الذّكر كالأنثى، فلو كان المولود ذكرا لكان شأنه أن ينتهي إلى خادم بسيط في بيت المقدس، ولكن هذه الأنثى الّتي وضعتها ستكون مؤهّلة لكرامة اللّه حيث تظهر- من خلالها- قدرته في ولادة عيسى منها من دون أب.
وبدأت المرأة تفكّر من جديد- في ما توحي به الآية- فهي لا تريد أن تبتعد عن اللّه في أحلامها الرّوحيّة، فإذا لم يقدّر لها أن تلد ذكرا خادما لبيت المقدس، وولدت بدلا منه أنثى، فإنّها تعود لتناجي اللّه في أمنيّاتها الجديدة، فقد أسمتها"مريم"- الّتي تعني العابدة في لغتهم، كما يقال- لتكون إنسانة عابدة للّه مطيعة له في ما يأمر به وينهى عنه، ثمّ طلبت من اللّه أن يعيذها وذرّيّتها من الشّيطان الرّجيم، فيجبرهم من وسوسته وتثبيطه ومكره وخدعه ومكائده، ليستطيعوا السّير في خطّ الطّاعة من دون أيّ انحراف أو زلل.
إنّنا نكتشف في هذه المرأة إنسانيّة تعيش العلاقة باللّه كأروع ما تكون العلاقات، وكأصفى ما تكون المشاعر، وكأعظم ما تتحرّك الأفكار، فهي تفكّر في مستقبل ذرّيّتها من خلال اللّه، لتقرّبهم إليه وتبعّدهم عن الشّيطان. (5: 346)