فهرس الكتاب

الصفحة 6733 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 404

يلاحظ أوّلا: أنّه قيّدت الرّقبة في (1) ب (مؤمنة) ثلاث مرّات، وأطلقت في (2) و (3) ، والحكمة في ذلك القيد- كما قال القاسميّ-"أنّه لمّا أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء، لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار، لأنّ إطلاقها من قيد الرّقّ كإحيائها".

وهذا حقّ في الأوّلين دون الأخير، لأنّه كافر ذمّيّ أو معاهد، وإن جاز أن يكون هو أيضا مؤمنا من قوم آخرين، بينهم وبين المؤمنين ميثاق بدليل هذا القيد.

وسيتلى عليك ما نبّهوا عليه من النّكات في التّعبير ب تحرير رقبة.

ثانيا: في (ب) كفّارة دون دية، وفي (أ) و (ج) كفّارة ودية معا، لأنّ نماء الدّية هنا يدعم البلاد الكافرة، فتشتدّ شوكتها على الإسلام، ولذا تعمد الدّول المستكبرة في هذه الأيّام إلى تجميد أرصدة الدّول النّامية في مصارفها، لإضعاف اقتصادها.

ولكن ربّما قيل: إن كان الأمر كذلك، فلم أوجب دفعها إلى أولياء المقتول الذّمّيّ أو المعاهد، وهم كفّار لا يؤمن جانبهم؟

قيل: نسخ هذا الحكم بقوله تعالى: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ التّوبة: 1، أو هو استثناء من هذه الآية، والبحث موكول إلى الفقه.

لا حظ"ب ر ء: براءة، وع ه د: عاهدتم".

ثالثا: تشدّد القرآن في تحرير الرّقبة المؤمنة دون هوادة، ولكنّه رخّص في غير المؤمنة؛ إذ خيّر في (2) بين إطعام عشرة مساكين، وكسوتهم، وتحرير رقبة، أو صيام ثلاثة أيّام عند عدمها. كما خيّر في (3) بين تحرير رقبة، وصيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستّين مسكينا، وهذا يشهد على حرمة المؤمن عند اللّه وعظم خطره.

رابعا: أنّ كفّارة الأيمان هي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، أو صيام ثلاثة أيّام. وكفّارة المظاهرة هي: تحرير رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستّين مسكينا على التّوالي فيها. فثقّل العقوبة على المظاهر بتثقيل بديل تحرير الرّقبة، لفداحة فعله، ولذا استهلّها بالأصعب فالصّعب. وخفّفها على المقسم بتخفيف البديل، لطفافة فعله، فاستهلّها بالأسهل فالصّعب- وهو تحرير رقبة- ثمّ السّهل: صيام ثلاثة أيّام.

خامسا: عالج القرآن في هاتين الكفّارتين أربعة احتياجات خطيرة، تنشدها المجتمعات البشريّة قاطبة لدنياها وآخرتها، وهي: الحرّيّةتحرير رقبة،:

وتوفير الغذاء"الإطعام"، واللّباس"الكسوة"- في (2"فقط- للمساكين، وتهذيب النّفس(الصّيام) . لا حظ"ص وم: الصيّام"."

وقد دعا الإسلام إلى الحرّيّة بهدوء ودون تهريج حتّى تلاشى الرّقّ من المجتمعات الإسلاميّة على مرّ العصور، كما نرى ذلك اليوم. وهذا خلاف ما فعله"إبراهام لنكولن"في الولايات المتّحدة الأمريكيّة قبل ثلاثة قرون تقريبا؛ إذ دعا إلى تحرير العبيد الّذين جلبوا من أفريقيا، ليعملوا في مزارع الولايات الجنوبيّة، وسرعان ما نشبت الحرب الأهليّة بين شمال الولايات الأمريكيّة وجنوبها من جرّاء هذه الدّعوة، واستمرّت سنوات، وراح ضحيّتها الآلاف من النّاس، وأحرقت المزارع، وخرّبت الدّور، ونزح المدنيّون من أوطانهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت