المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 405
ولا زالت هذه المشكلة قائمة إلى يومنا هذا في أمريكا، رغم هذه الويلات والنّكبات، ولكن بنمط آخر؛ إذ تحوّل الصّراع بين المحرّرين (البيض) والمحرّرين (السّود) ، بعد أن كان الصّراع دائرا بين البيض أنفسهم حول تحرير السّود.
واهتمّ الإسلام كذلك بتوفير الغذاء والكسوة للمحتاجين بصور مختلفة، وجوبا- كما في هاتين الآيتين- أو استحبابا، لأنّ الحرّيّة والغذاء متلازمان، فإن انفكّ أحدهما عن الآخر، اختلّ النّظام الاجتماعيّ، فيبرز الكبت أو العوز. ولذا جمعا هنا وفي قوله تعالى:
فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ البلد: 13، 14.
وهذا خلاف ما حدث في روسيا قبل تسعين عاما تقريبا؛ حيث أسّس"لينين"الحزب الشّيوعيّ، ونادى بإشباع حاجات الإنسان الاقتصاديّة كفافا، ورغباته الجنسيّة دون حدّ"الشّيوعيّة الجنسيّة". ولكنّه حدّ من حرّيّة الفرد- كما هو طابع هذا النّظام- وصادرها، فضاق النّاس به ذرعا فثاروا، فأخمد ثورتهم بالنّار والحديد، وقتل الملايين من البشر في هذه البلاد.
وخصوصا إبّان حكم"ستالين"رفيق"لينين"؛ لمطالبتهم بالحرّيّة. لاحظ"ط ع م: طعام وإطعام، وظ ه ر:"
يظاهرون، وي م ن: أيمان"."
سادسا: نبّهوا في تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ* على نكات:
1 -التّحرير: الإعتاق- ومثله عتق الرّقبة- والحرّ والعتيق: الكريم، كما أنّ اللّؤم في العبيد، فالتّحرير تكريم للعبيد، قاله الزّمخشريّ.
2 -لمّا كان الإنسان خلق ليكون مالكا للأشياء، كما قال: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا البقرة: 29، فكونه مملوكا تشويش لمقتضى الإنسانيّة، وسمّيت إزالة الملك تحريرا، أي تخليصا له عمّا يكدّر إنسانيّته، قاله الفخر الرّازيّ.
3 -العبوديّة موت والحرّيّة حياة، فلمّا فوّت القاتل حياة المقتول، فعليه أن يحيي مملوكا بتحريره.
4 -إنّ العتيق عبد من عباد اللّه ويرجى من نسله من يقوم بعبادة اللّه، والقاتل فوّت عليه هذا الوصف، فلابدّ أن يجبره بتحرير عبد يقوم بدله بهذا الواجب، أفاده وما قبله ابن عاشور.
5 -التّحرير: تطهير لذنب القاتل الّذي هلك على يديه إنسان محقون الدّم، أفاده وما قبله القرطبيّ.
6 -لمّا أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار، لأنّ إطلاقها من الرّقّ كإحيائها، لأنّ الرّقيق ملحق بالأموات؛ إذ الرّقّ أثر من آثار الكفر، والكفر موت حكما، كما قال: أَوَ مَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ الأنعام: 122، ولهذا منع العبد من تصرّف الأحرار.
7 -لمّا أبقى اللّه للقاتل خطأ نفسا مؤمنة؛ حيث لم يوجب عليه القصاص، فأوجب عليه مثلها رقبة مؤمنة، أفاده القاسميّ.
8 -كان من شأن العرب إذا أسرت أسيرا أن يجمع يديه إلى عنقه، وإذا أطلقته من الأسر أطلقت يديه من عنقه، فجعل تحرير الرّقبة كناية عن عتقه، وإن لم يكن هناك غلّ في رقبته، كما أنّ قبض اليد وبسطها كناية عن