فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 515
الأصنام بالفعل، وأمرهم أن يسألوا الآلهة عن ذلك لم يكن لدفع الجرم عن نفسه، بل كان تمهيدا لإبطال ألوهيّة الآلهة. وبهذا المقدار من السّكوت وعدم الرّدّ، قضوا عليه بثبوت الجرم، وأنّ جزاءه أن يحرق بالنّار.
ولذلك قالوا: حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ بتعظيم أمرهم، ومجازاة من أهان بهم، وقولهم: إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ تهييج وإغراء. (14: 302)
مكارم الشّيرازيّ: بالرّغم من أنّ عبدة الأوثان قد سقط ما في أيديهم نتيجة استدلالات إبراهيم العمليّة والمنطقيّة، واعترفوا في أنفسهم بهذه الهزيمة، إلّا أنّ عنادهم وتعصّبهم الشّديد أصبح مانعا من قبول الحقّ، ولذلك فلا عجب من أن يتّخذوا قرارا صارما وخطيرا في شأن إبراهيم، وهو قتل إبراهيم بأبشع صورة، أي الحرق وجعله رمادا!
هناك علاقة عكسيّة بين القوّة والمنطق عادة، فكلّ من اشتدّت قوّته ضعف منطقه، إلّا رجال الحقّ فإنّهم كلّما زادت قوّتهم يصبحون أكثر تواضعا ومنطقا.
إنّ المتعنّتين عند ما لا يحقّقون شيئا عن طريق المنطق، فإنّهم سيتوسّلون بالقوّة فورا، وقد طبّقت هذه الخطّة في حقّ إبراهيم تماما، كما يقول القرآن الكريم:
قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ.
إنّ المتسلّطين المتعنّتين يستغلّون نقاط الضّعف النّفسيّة لدى عامّة النّاس الجاهلين لتحريكهم عادة، لأنّهم عارفون بالنّفسيّات وماهرون في عملهم. وكذلك فعلوا في هذه الحادثة، وأطلقوا شعارات تثير حفيظتهم، فقالوا: إنّ آلهتكم وإنّ مقدّساتكم مهدّدة بالخطر، وقد سحقت سنّة آبائكم وأجدادكم، فأين غيرتكم وحميّتكم؟! لماذا أنتم ضعفاء أذلّاء؟ لماذا لا تنصرون آلهتكم؟ احرقوا إبراهيم وانصروا آلهتكم- إذا كنتم لا تقدرون على أيّ عمل- ما دام فيكم عرق ينبض، ولكم قوّة وقدرة.
انظروا إلى كلّ النّاس يدافعون عن مقدّساتهم، فما بالكم وقد أحدق الخطر بكلّ مقدّساتكم؟!
والخلاصة: فقد قالوا الكثير من أمثال هذه الخزعبلات وأثاروا النّاس ضدّ إبراهيم؛ بحيث إنّهم لم يكتفوا بعدّة حزم من الحطب تكفي لإحراق عدّة أشخاص، بل أتوا بآلاف الحزم وألقوها حتّى صارت جبلا من الحطب، ثمّ أشعلوه فاتّقدت منه نار مهولة كأنّها البحر المتلاطم، والدّخان يتصاعد إلى عنان السّماء لينتقموا من إبراهيم أوّلا، وليحفظوا مهابة أصنامهم المزعومة الّتي حطّمتها خطّته وأسقطت أبّهتها!!
[و هناك مبالغات في التّفاسير في هذه الواقعة وهذه النّار تشبه الإسرائيليّات]
2 -فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ... العنكبوت: 24
الطّبريّ: فلم يكن جواب قوم إبراهيم له؛ إذ قال لهم: اعبدوا اللّه واتّقوه، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، إلّا أن قال بعضهم لبعض: اقتلوه أو حرّقوه بالنّار، ففعلوا، فأرادوا إحراقه بالنّار فأضرموا له النّار فألقوه فيها، فأنجاه اللّه منها ولم يسلّطها عليه. (20: 141)