فهرس الكتاب

الصفحة 6850 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 521

ويؤيّده- كما سبق- أنّ التّشديد- بما فيه من المبالغة- يلائم السّياق.

4 -اختلفوا في"العجل"هل صار حيوانا ذا لحم ودم، واستشهدوا عليه بقراءة ابن مسعود (لنذبّحنّه ولنحرّقنّه) ، وبأنّ الحديد والذّهب لا يحرقان، أو بقي على حاله، واستشهدوا بقراءة (لنحرقنّه) بفتح النّون بمعنى لنبردنّه بالمبارد ثمّ ننسفنّه في البحر، وأنّ النّسف أيضا لا يناسب ما صار لحما ورمادا.

والحقّ أنّ هذه الآية ساكتة عن ذلك كلّه.

نعم جاء في آيات قبلها في وصف العجل: ... وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ* فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ* أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا طه: 88 - 89، وظاهرها أنّ العجل كان جسما له خوار، لا حيوانا له صوت.

ونقول: طرح هذه المسألة كطرح مسألة أخرى في الآية: أنّ موسى كيف ألقى الذّهب في البحر ولم يوزّعه بين بني إسرائيل؟ فهذا إسراف، وأمثال هذه المسائل ممّا سكت عنها القرآن خارجة عن وظيفة المفسّر، وهي أشبه بالإسرائيليّات الّتي تحوم حول مبهمات القرآن، وتتّبع ما لا هداية فيها من الأوهام، وقد عدّت هذه فرصة للقصّاص إشباعا لهوى المسامرين والمسافرين طوال اللّيالي والأسفار، واتّباعا سنن الجاهليّة. وكتب التّفسير المأثور- مع الأسف- مليئة بها.

5 -تلك بحوث راجعة إلى (1) ، وأمّا (2 و3) :

فأوّل ما فيهما أنّ اللّه اهتمّ بقصّة إبراهيم أكثر من قصّة موسى فكرّرها في سورتين مكّيّتين، ولم يكرّر قصّة موسى هذه، وهي مكّيّة أيضا، كما هو الوضع الغالب على القصص القرآنيّة، فكانت أنسب بحال أهل مكّة يوم ذاك، الّذين لم يعرفوا عن الأنبياء وأممهم شيئا، لعدم اختلاطهم بأهل الكتاب، كاختلاط أهل المدينة بهم.

لاحظ المدخل بحث"القصص".

ولعلّ السّرّ فيه أنّ إبراهيم عليه السّلام كان أبا لقريش ولعلّهم كانوا يستندون دينهم إلى أبيهم، ويدّعون أنّهم على ملّة إبراهيم، فأنكره القرآن بالتّركيز مرّات على أنّ ما جاءهم به النّبيّ عليه السّلام هو ملّة أبيهم إبراهيم: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ الحجّ: 78.

أمّا موسى عليه السّلام فكان من بني إسرائيل، وهم أسرة أخرى من ذرّيّة إبراهيم، لم يكونوا مخاطبين بتلك الآية، فاكتفى بذكر قصّتهم مرّة واحدة، ولم يكرّرها.

وثاني ما فيهما أنّهما ككثير من القصص القرآنيّة المكرّرة نقل بالمعنى دون اللّفظ، فاختلفت ألفاظها واتّحدت معانيها- لاحظ المدخل أيضا- حيث جاء في (3) حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ، وفي (2) اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ، وجاء في إنجاء إبراهيم من الاحتراق بالنّار في (2) فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ، وفي (3) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ، والفرق بينهما بالإجمال والتّفصيل.

وثالث ما فيهما أنّه قال في (3) : (حرّقوه) ، وفي (2) :

اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ، وهذا أيضا نوع من الإجمال والتّفصيل، ويبدو من اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ أنّ غيظهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت