فهرس الكتاب

الصفحة 6849 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 520

عجله الّذي صنعه وعبده: (1) وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا.

والأخرى قصّة إبراهيم عليه السّلام مع قومه، حين دعاهم إلى رفض الأصنام، والإقبال على عبادة اللّه الواحد الرّحمان، فأنكروه وخاصموه حتّى صمّموا على قتله أو حرقه، كما قال في الآيتين (2 و3) : قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ* قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ، وفَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ. وفيها بحوث:

1 -جاء فيها"التّحريق"بدل"الحرق"تشديدا ومبالغة مثل"قطع وقطّع"فإنّ موسى عليه السّلام قرّر أن يبالغ في حرق إله السّامريّ حتّى يصير رمادا وغبارا ينسفنّه في اليمّ، كأن لم يكن شيئا. وسياق الآية- بما فيها من لام القسم ونون التّأكيد مرّتين، والمفعول المطلق المؤكّد مرّة:

لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا، وبعد أن وصف إلهه بأنّه ظلّ عليه عاكفا، مشيرا إلى نهاية خضوعه لإلهه وتعظيمه إيّاه- هو التّشديد، حيث قابله موسى بما يضادّ فعله توهينا له، وهو تحريقه ونسفه في اليمّ، نسفا وغضبا عليه، كما جاء في أوّل القصّة فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا طه: 86.

وكذلك قوم إبراهيم العابدين للأصنام الّتي أنكرها وأهانها إبراهيم، أمروا بتحريقه عنادا له وخشما عليه.

وسياق الآيتين في هذه القصّة أيضا- بما فيهما من صيغة الأمر (حرّقوه) مرّتين وحصر الجواب كمقابلة في (2) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا، والأمر بنصر الآلهة كمقابلة لم يتمكّنوا سواها في (3) وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ - مشعر بشدّة خصومتهم وبلوغ عداوتهم لإبراهيم.

فظهر بذلك أنّ صيغة"التّحريق"فيها للتّشديد، ولكن كثيرا منهم لم يفرّقوا بينها وبين الحرق والإحراق بل صرّحوا بأنّها سواء، سوى الطّبريّ حيث قال:

"لنحرّقنّه بالنّار قطعة قطعة"، والزّجّاج حيث قال:

"نحرقه مرّة بعد مرّة"، وابن سيده حيث قال:"التّحريق تأثير النّار في الشّي ء"، والطّوسيّ حيث قال:"التّحريق هو التّقطيع بالنّار"، والفيّوميّ حيث قال:"حرّق تحريقا، إذا أكثر الإحراق".

فهؤلاء متّفقون على إفادة صيغة"التّفعيل"هنا المبالغة والتّشديد، مختلفون في كيفيّة التّشديد، وبعضهم عدّوا"حرّق"رباعيّا.

2 -قال غير واحد منهم في لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ: إنّ التّحريق هنا من"حرق الشّي ء إذ أبرده بالمبرد". فقد حكى الزّمخشريّ عن أبي عليّ الفارسيّ أنّه يجوز أن يكون"حرّق"مبالغة في"حرق"إذا برد بالمبرد. ولا شاهد عليه سوى ما يأتي من قراءة عليّ عليه السّلام (لنحرقنّه) بالتّخفيف.

3 -القراءة في لَنُحَرِّقَنَّهُ - كما حكاها الطّبريّ- مختلفة، فقرئ بالتّشديد من"التّفعيل"أي نحرّقنّه قطعة قطعة، وبالتّخفيف من الإفعال أي نحرقنّه مرّة واحدة، وبفتح النّون من المجرّد، أي لنبردنّه بالمبارد، ثمّ رجّح الطّبريّ التّشديد، لإجماع الحجّة عليها من القرّاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت