فهرس الكتاب

الصفحة 6861 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 532

ورابعها: كأنّه تعالى قال: يا محمّد إنّ غرضك من هذا التّعجيل أن تحفظه وتبلّغه إليهم لكن لا حاجة إلى هذا، فإنّ الإنسان على نفسه بصيرة، وهم بقلوبهم يعلمون أنّ الّذي هم عليه من الكفر وعبادة الأوثان، وإنكار البعث منكر باطل، فإذا كان غرضك من هذا التّعجيل أن تعرّفهم قبح ما هم عليه، ثمّ إنّ هذه المعرفة حاصلة عندهم، فحينئذ لم يبق لهذا التّعجيل فائدة، فلا جرم قال: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ.

وخامسها: أنّه تعالى حكى عن الكافر أنّه يقول:

أين المفرّ؟ ثمّ قال تعالى: كَلَّا لا وَزَرَ* إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ القيمة: 11، 12، فقيل لمحمّد إنّك في طلب حفظ القرآن، تستعين بالتّكرار، وهذا استعانة منك بغير اللّه، فاترك هذه الطّريقة، واستعن في هذا الأمر باللّه، فكأنّه قيل: إنّ الكافر يفرّ من اللّه إلى غيره، وأمّا أنت فكن كالمضادّ له، فيجب أن تفرّ من غير اللّه إلى اللّه، وأن تستعين في كلّ الأمور باللّه، حتّى يحصل لك المقصود على ما قال: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، وقال في سورة أخرى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ* وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا طه: 114، 115، أي لا تستعن في طلب الحفظ بالتّكرار بل اطلبه من اللّه تعالى.

وسادسها: ما ذكره القفّال، وهو أنّ قوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ ليس خطابا مع الرّسول عليه السّلام بل هو خطاب مع الإنسان المذكور في قوله: يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ القيمة: 13، فكان ذلك للإنسان حال ما ينبّأ بقبائح أفعاله؛ وذلك بأن يعرض عليه كتابه، فيقال له: اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا الإسراء: 14، فإذا أخذ في القراءة تلجلج لسانه من شدّة الخوف وسرعة القراءة، فيقال له: لا تحرّك به لسانك لتعجل به، فإنّه يجب علينا بحكم الوعد أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك، فإذا قرأناه عليك فاتّبع قرآنه بالإقرار بأنّك فعلت تلك الأفعال، ثمّ إنّ علينا بيان أمره وشرح مراتب عقوبته.

وحاصل الأمر من تفسير هذه الآية أنّ المراد منه:

أنّه تعالى يقرأ على الكافر جميع أعماله على سبيل التّفصيل، وفيه أشدّ الوعيد في الدّنيا وأشدّ التّهويل في الآخرة. ثمّ قال القفّال: فهذا وجه حسن ليس في العقل ما يدفعه، وإن كانت الآثار غير واردة به. (30: 222)

البروسويّ: في لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ إلخ، تعليم وتأديب: أمّا التّعليم فما أشير إليه من باب أنّ جهة الوحدة مسدود على أكثر النّاس فلا يفهمون عن اللّه إلّا من الجهة المناسبة لحالهم، وهي جهة الوسائط والكثرة الإمكانيّة.

وأمّا التّأديب فإنّه لمّا كان الآتي بالوحي من اللّه جبريل، فمتى بودر بذكر ما أتى به كان كالتّعجيل له وإظهار الاستغناء عنه، وهذا خلل في الأدب بلا شكّ سيّما مع المعلّم المرشد.

ومن هذا التّقرير عرف أنّ قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ إلخ، واقع في البين بطريق الاستطراد، فإنّه لمّا كان من شأنه عليه السّلام الاستعجال عند نزول كلّ وحي على ما سبق من الوجه، ولم ينه عنه إلى أن أوحي إليه هذه السّورة من أوّلها إلى قوله: وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ القيمة: 15، وعجل في ذلك كسائر المرّات نهي عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت