فهرس الكتاب

الصفحة 6862 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 533

بقوله: لا تُحَرِّكْ إلخ، ثمّ عاد الكلام إلى تكملة ما ابتدئ به من خطاب النّاس. ونظيره ما لو ألقى المدرّس على الطّالب مسألة، وتشاغل الطّالب بشي ء لا يليق بمجلس الدّرس، فقال: ألق إليّ بالك، وتفهّم ما أقول، ثمّ كمّل المسألة.

يقول الفقير أيّده اللّه القدير: لاح لي في سرّ المناسبة وجه لطيف أيضا، وهو أنّ اللّه تعالى بيّن قبل قوله:

لا تُحَرِّكْ بِهِ إلخ، جمع العظام ومتفرّقات العناصر الّتي هي أركان ظاهر الوجود، ثمّ انتقل إلى جمع القرآن وأجزائه الّتي هي أساس باطن الوجود، فقال بعد قوله:

أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ القيمة: 03

إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ فاجتمع الجمع بالجمع والحمد للّه تعالى. وقد تحيّر طائفة من قدماء الرّوافض؛ حيث لم يجدوا المناسبة، فزعموا أنّ هذا القرآن غيّر وبدّل وزيد فيه ونقص. [و قد أنكره جمهور الشّيعة]

وفي"التّأويلات النّجميّة": اعلم أنّ كلّ ما استعدّ لإطلاق الشّيئيّة عليه فله ملك وملكوت، لقوله تعالى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ ءٍ يس: 83، والقرآن أشرف الأشياء وأكملها، فله أيضا ملك وملكوت. فأمّا ملكه فهو الأحكام والشرائع الظّاهرة الّتي تتعلّق بمصالح الأمّة، من العبادات الماليّة والبدنيّة، والجنايات والوصايات وأمثالها. وأمّا ملكوته فهو الأسرار الإلهيّة والحقائق اللّاهوتيّة الّتي تتعلّق ببواطن خواصّ الأمّة وأخصّ الخواصّ، بل بخلاصة أخصّ الخواصّ من المكاشفات والمشاهدات السّرّيّة والمعاينات الرّوحيّة. ولكلّ واحد من الملك والملكوت مدركات يدرك بها لا غير، لأنّ الوجدانيّات والذّوقيّات لا تسعها ألسنة العبارات، لأنّها منقطع الإشارات، فقوله:

لا تُحَرِّكْ إلخ، يشير إلى عدم تعبيره بلسان الظّاهر عن أسرار الباطن، والحقائق الآبية عن تصرّف العبارات فيها بالتّعبير عنها، وأنّ مظهره الجامع جامع بين ملك القرآن وملكوته، وهو عليه السّلام يتّبع بظاهره ملكه وبباطنه ملكوته. نسأل اللّه سبحانه أن يجعلنا من المتّبعين للقرآن في كلّ زمان. (10: 249)

سيّد قطب: وفي ثنايا السّورة وحقائقها تلك ومشاهدها تعترض أربع آيات، تحتوي توجيها خاصّا للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، وتعليما له في شأن تلقّي هذا القرآن.

ويبدو أنّ هذا التّعليم جاء بمناسبة حاضرة في السّورة ذاتها؛ إذ كان الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم يخاف أن ينسى شيئا ممّا يوحى إليه، فكان حرصه على التّحرّز من النّسيان يدفعه إلى استذكار الوحي فقرة فقرة في أثناء تلقّيه، وتحريك لسانه به ليستوثق من حفظه. فجاءه هذا التّعليم:

لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ جاءه هذا التّعليم ليطمئنه إلى أنّ أمر هذا الوحي، وحفظ هذا القرآن، وجمعه وبيان مقاصده كلّ أولئك موكول إلى صاحبه. ودوره هو، هو التّلقّي والبلاغ، فليطمئنّ بالا، ليتلقّ الوحي كاملا، فيجده في صدره منفوشا ثابتا، وهكذا كان.

فأمّا هذا التّعليم فقد ثبت في موضعه؛ حيث نزل، أليس من قول اللّه؟ وقول اللّه ثابت في أيّ غرض كان؟

ولأيّ أمر أراد؟ وهذه كلمة من كلماته تثبت في صلب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت