فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 534
الكتاب شأنها شأن بقيّة الكتاب: ودلالة إثبات هذه الآيات في موضعها هذا من السّورة، دلالة عميقة موحية على حقيقة لطيفة في شأن كلّ كلمات اللّه، في أيّ اتّجاه.
وفي شأن هذا القرآن، وتضمنّه لكلّ كلمات اللّه الّتي أوحى بها إلى الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لم يخرم منها حرف، ولم تندّ منها عبارة، فهو الحقّ والصّدق والتّحرّج والوقار!
عزّة دروزة: تعليق على دلالة آيات لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ وأخواتها.
وفي الآيات صورة رائعة من صور التّنزيل القرآنيّ ووحيه، ترد لأوّل مرّة في وقت مبكّر نوعا ما من العهد المكّيّ، وهي تثير معاني خطيرة وجليلة نبّهنا إليها بإسهاب في كتابنا"القرآن المجيد".
ومن ذلك أنّها لا تدع محلّا لشكّ ولا مراء حتّى من أشدّ النّاس شكّا ومراء، بأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان مؤمنا أقوى الإيمان بأنّ الوحي الرّبّانيّ هو الّذي كان يوحي إليه بالقرآن، لا على معنى أنّه نابع من ذاته، بل على معنى أنّه من خارج ذاته، يشعر به في أعماق نفسه ويستمع إليه بأذن بصيرته ويعيه بقلبه.
ومن ذلك أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان شديد الحرص على ألّا يفلت منه آية أو كلمة أو حرف أو معنى ممّا يوحى إليه.
ومن ذلك أنّه كان يأمر بتدوين ما يوحى إليه حالا، ويملي على كاتبه، حتّى ما هو تعليم خاصّ له بكيفيّة تلفّيه وحي اللّه عزّ وجلّ وقرآنه، لأنّه وحي
من ذلك أنّ الوحي القرآنيّ كان يقذف من اللّه رأسا في روع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
ولمّا كان هناك آيات صريحة أخرى تفيد أنّ اللّه كان ينزل القرآن على النّبيّ بواسطة جبريل الّذي ذكر اسمه صراحة في هذا الصّدد في آية سورة البقرة: 97، وذكر بوصف الرّوح الأمين في آية سورة الشّعراء: 193، وبوصف روح القدس في آية سورة النّحل: 102، فيقال بسبيل التّوفيق: إنّ في الآيات الّتي نحن في صددها صورة من صور الوحي القرآنيّ، وهي قذف هذا الوحي من اللّه عزّ وجلّ رأسا في روع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وهذه الصّورة إحدى الصّور الثّلاث لاتّصال اللّه سبحانه بمن يصطفيهم من عباده الّتي انطوت في آية سورة الشّورى هذه: 51، وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ. (2: 11)
الطّباطبائيّ: لا تُحَرِّكْ بِهِ إلى ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ الّذي يعطيه سياق الآيات الأربع بما يحفّها من الآيات المتقدّمة والمتأخّرة الواصفة ليوم القيامة: أنّها معترضة، متضمّن أدبا إلهيّا، كلّف النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وآله أن يتأدّب به حينما يتلقّى ما يوحى إليه من القرآن الكريم، فلا يبادر إلى قراءة ما لم يقرأ بعد، ولا يحرّك به لسانه، وينصت حتّى يتمّ الوحي.
فالآيات الأربع في معنى قوله تعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ طه: 114.
فالكلام في هذه الآيات يجري مجرى قول المتكلّم منّا أثناء حديثه لمخاطبه، إذا بادر إلى تتميم بعض كلام المتكلّم باللّفظة واللّفظين، قبل أن يلفظ بها المتكلّم؛ وذلك يشغله عن التّجرّد للإنصات، فيقطع المتكلّم