المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 535
حديثه ويعترض، ويقول: لا تعجل بكلامي وأنصت لتفقه ما أقول لك، ثمّ يمضي في حديثه.
فقوله: لا تُحَرِّكْ ... الخطاب فيه للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وآله، والضّميران للقرآن الّذي يوحى إليه أو للوحي، والمعنى لا تحرّك بالوحي لسانك لتأخذه عاجلا، فتسبقنا إلى قراءة ما لم نقرأ بعد، فهو كما مرّ في معنى قوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ ... (20: 109)
المصطفويّ: والتّعبير بحركة اللّسان فإنّها أوّل مرتبة من النّطق، فهذا غاية تأكيد في النّطق باللّسان والنّهي عنه، أي لا تبتدئ بقراءة القرآن بحركة لسانك.
مكارم الشّيرازيّ: وردت هذه الآيات في الحقيقة بمثابة الجملة الاعتراضيّة الّتي تتداخل أحيانا في حديث المتحدّث، كمن يكون مشغولا بالخطابة في مجلس ما والنّاس مجتمعون في آخر المجلس، والحال أنّ صدر المجلس خال فيقطع حديثه مؤقّتا، ويدعو الحاضرين للتّقدّم لينفتح الطّريق للقادمين، ثمّ يستأنف حديثه مجدّدا، أو كالأستاذ الّذي يقطع حديثه لينبّه طالبا، وبعد ذلك يكمل حديثه.
وإذا ما سمع شخص ما حديث الأستاذ عن طريق شريط كاسيت فيرى إشكالا في استمراريّة الحديث، ويتعجّب لما يرى من عدم التّرابط بين الجمل، ولكن التّمعّن في شرائط المجلس الخاصّة يتّضح فلسفة هذه الجمل المعترضة.
بعد هذه المقدّمة البسيطة نتّجه إلى تفسير الآيات الّتي يراد بحثها، يترك اللّه تعالى الحديث عن القيامة وأحوال المؤمنين والكفرة مؤقّتا، ليعطي تذكرة مختصرة للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله حول القرآن، فيقول: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. لهذه الآية أقوال متعدّدة للمفسّرين، وعلى المجموع ذكرت لها ثلاثة تفاسير:
الأوّل: هو التّفسير المشهور الّذي نقل عن ابن عبّاس عن كتب الحديث، وهو أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله كان إذا نزل عليه الوحي ليقرأ عليه القرآن، تعجّل بقراءته ليحفظه؛ وذلك لحبّه الشّديد للقرآن، فنهاه اللّه عن ذلك وقال:
إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ.
الثّاني: نعلم أنّ للقرآن نزولين: هما نزول دفعيّ، أي نزوله بتمامه على قلب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في ليلة القدر، ونزول تدريجيّ والّذي كان أمده 23 عاما، وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله يعجل في إبلاغ الرّسالة أحيانا قبل النّزول التّدريجيّ للآيات أو قراءة ما يرافق تلك الآيات، فنهاه اللّه عن ذلك. وأمره أن يبلّغ ويتلو ما ينزل عليه في حينه، وعلى هذا يكون مضمون هذه الآية كالآية:
114، من سورة طه: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ.
وليس في القولين اختلاف واسع، ويكون المعنى:
لا ينبغي للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أن يعجل في استلام الوحي.
الثّالث: وهو ما لم يتّفق عليه الكثير، وهو أنّ المخاطبين في هذه الآيات هم المذنبون؛ وذلك في يوم القيامة حيث يؤمرون بمحاسبة أنفسهم وذكر أعمالهم، ويقال لهم: لا تعجلوا في ذلك. ومن الطّبيعيّ أنّهم سوف يتضجّرون عند ذكرهم لسيّئاتهم، ويمرّون عليها باستعجال، فيؤمرون بالتّأنّي في قراءتها واتّباع الملائكة