المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 538
قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أي ولكن بدل التّعجيل في قراءته اصبر فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ أي نحن نضمن لك تفسيره وبيانه أيضا كما ضمنّا جمعه وقراءته.
ويؤيّد هذا الوجه آيات أخرى:
منها: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى الأعلى: 6. والإقراء هو تعليم الغير شيئا ثمّ تلقّيه عنه اختبارا واطمئنانا بأنّه حفظه، وهذا كان عمل المقرئين للقرآن، وقد أقرأ جبرائيل النّبيّ في كلّ سنة مرّة، وأقرأه في العام الّذي توفّي فيه مرّتين كما جاء في الرّوايات.
وقد حكى الطّبرسيّ ذيل هذه الآية (ج 5: 475) عن ابن عبّاس أنّه قال:"كان النّبيّ عليه السّلام إذا نزل عليه جبرائيل عليه السّلام بالوحي يقرأه مخافة أن ينساه، فكان لا يفرغ جبرائيل عليه السّلام من آخر الوحي حتّى يتكلّم هو بأوّله. فلمّا نزلت هذه الآية لم ينس بعد ذلك شيئا (الّا ما شاء اللّه) أن ينسيه بنسخه من رفع حكمه وتلاوته".
ومنها: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا طه: 114، وقد ذكر الطّبرسيّ (ج 4: 32) فيها وجوها، أوّلها وأقواها:"أي لا تعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبرائيل عليه السّلام من إبلاغه، فإنّه صلّى اللّه عليه وآله كان يقرأ معه ويعجل بتلاوته مخافة نسيانه، أي تفهّم ما يوحى إليك إلى أن يفرغ الملك من قراءته، ولا تقرأ معه، ثمّ اقرأ بعد فراغه منه، وهذا كقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ عن ابن عبّاس والحسن والجبّائيّ".
ويشهد به ذيل الآية: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا
ومنها: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا الفرقان: 32، وفيها إعلام بأنّ النّبيّ عليه السّلام كان يحتاج إلى تثبيت فؤاده بالقرآن بنزوله منجّما ليحفظه.
قال الطّبرسيّ (4: 169) :"و قيل: إنّما أنزلت الكتب جملة واحدة، لأنّها نزلت على الأنبياء يكتبون ويقرؤون فنزلت مكتوبة، والقرآن إنّما نزل على نبيّ أمّيّ لا يكتب ولا يقرأ، ولذلك نزل متفرّقا ...".
ويؤيّده ذيلها وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا أي رتّلناه على مكث لتحفظه. والتّرتيل- كما قال الطّبرسيّ (4: 169) :-"التّبيين في تثبيت وترسّل وثغر رتل ..."فالتّفريق في نزول الآيات كان رعاية لحال النّبيّ عليه السّلام.
ولكنّه جاء رعاية لحال النّاس في آية أخرى مكّيّة أيضا: وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا الإسراء: 106.
و"التّنزيل"هو النّزول تدريجا، ويقابله"الإنزال"وهو النّزول جمعا إذا جاء مع التّنزيل مثل: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ* مِنْ قَبْلُ ... آل عمران: 3، 4.
وتلك الآيات كلّها مكّيّة، نزلت ردّا على المشركين الّذين اعتقدوا الخلط في القرآن، واطمئنانا للنّبيّ عن النّسيان.
ولا يبعد عنها آية أخرى مكّيّة أيضا نزلت بشأن القرآن، وهي إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ الحجر: 9، جاءت ردّا لقولهم: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ