المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 539
عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ الحجر: 6، تعريضا له أنّه لا يعلم ما يقول ويخلط في كلامه النّازل عليه مفرّقا لجنونه، فردّ اللّه عليهم مؤكّدا بتأكيدات عدّة. إنّا نحن نزّلناه ونحفظه من أيّ خطإ وتخليط، ونقص، وتحريف.
وقد طوّلنا الكلام في توجيه الوجه الأوّل في لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ لنعرف الجوّ الّذي نزلت هذه الآية وأمثالها، ردّا على تشكيك المشركين بالخلط في القرآن، وتسجيلا على أنّ اللّه هو الّذي عصم النّبيّ من نسيان القرآن والخلط فيه، فهذا كان معجزة له. وإلّا فهو بشر يجوز عليه النّسيان، لو لا أنّ اللّه عصمه منه.
والوجه الثّاني في تفسير الآية: ما حكاه فضل اللّه عن بعضهم، استنادا إلى بعض الرّوايات- ولم يذكره الفخر الرّازيّ في جملة ما ذكرها من الوجوه السّتّة، ولا الطّبريّ فيما ذكره من الوجهين، ولا غيرهما فيما سبق من النّصوص- وهو مبنيّ على أنّ للقرآن نزولين: نزول دفعيّ على قلب النّبيّ عليه السّلام في ليلة القدر، ونزول تدريجيّ طول 23 عاما، وكان النّبيّ حافظا للقرآن بالنّزول الأوّل، فيعجّل عند نزول آية في قراءتها اعتمادا على حفظه، ولم يصبر حتّى يتمّ وحيها. ثمّ ردّه السّيّد فضل اللّه:"بأنّ القضيّة لو كانت كما ذكر في هذه الرّوايات لما كانت ضرورة إلى تأكيد جمعه وقرآنه، لأنّه مجموع بجملته في النّزول الدّفعيّ الأوّل، ممّا يجعل هذا الكلام غير دقيق".
والوجه الثّالث- وهو أيضا مبنيّ على نزول القرآن دفعتين، حكاه مكارم الشّيرازيّ، ولم يعلم من هو قائله-: من أنّ النّبيّ كان يعجل في إبلاغ الرّسالة أحيانا قبل النّزول التّدريجيّ، فنهاه اللّه عن ذلك وأمره يبلّغ ويتلو ما نزل عليه في حينه، وهو محجوج أيضا بما ذكره السّيّد فضل اللّه.
وكأنّ الطّباطبائيّ- وهو قائل بنزول القرآن دفعتين- مال إلى الوجه الثّاني ذيل تفسير الآية بقوله:"لا تحرّك بالوحي لسانك لتأخذه عاجلا، فتسبقنا إلى قراءة ما لم نقرأه". ولو أراد بكلامه ما استنبطنا منه، فهو محجوج بما ذكر.
والحقّ أنّ نزول القرآن دفعتين مع وجود روايات فيه من طريق الفريقين، وقع محلّ التّرديد والإنكار عند بعض المحقّقين منهما. لا حظ:"ن ز ل وق ر أ".
ثانيا: سورة القيامة- كما دلّ عليه اسمها- تتحدّث عن القيامة وأحوالها إلى 15 آية، ثمّ تنتقل في هذه الآيات الأربع إلى القرآن، ثمّ ترجع إلى القيامة وغيرها، ولهذا وقعت في هذه الآيات قديما معركة بين المفسّرين، فبعضهم تكلّفوا بمعاناة ربطها بالقيامة، وإليه يرجع بعض ما حكاه الفخر الرّازيّ أو غيره من الوجوه، فلا حظ.
والّذين حوّلوها إلى القرآن، وجّهوها بمثل أنّه اتّفق للنّبيّ عليه السّلام تحريك لسانه عند نزول هذه الآيات، فنهاه اللّه تأديبا، ثمّ رجع إلى حديثه عن القيامة، فهذه الآيات وقعت في أثناء الكلام بطريق الاستطراد.
قال البروسويّ:"و نظيره ما لو ألقى المدرّس على الطّالب مسألة، وتشاغل الطّالب بشي ء لا يليق بمجلس الدّرس، فقال: ألق إليّ بالك، وتفهّم ما أقول، ثمّ كمّل المسألة."
ثمّ أدام:"يقول الفقير أيّده اللّه القدير: لاح لي في"