فهرس الكتاب

الصفحة 6869 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 540

سرّ المناسبة وجه لطيف أيضا، وهو أنّ اللّه تعالى بيّن قبل قوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ ... جمع العظام ومتفرّقات العناصر الّتي هي أركان ظاهر الوجود، ثمّ انتقل إلى جمع القرآن وأجزائه الّتي هي أساس باطن الوجود، فقال بعد قوله:

أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ فاجتمع الجمع بالجمع والحمد للّه"!!"

ثمّ حكى عن"التّأويلات النّجميّة"ما حاصله:"أنّ كلّ شي ء له ملك وملكوت، والقرآن- وهو أشرف الأشياء- له ملك وملكوت أيضا: ملكه الأحكام المتعلّقة بمصالح الأمّة عامّة، وملكوته الأسرار الإلهيّة والحقائق اللّاهوتيّة المتعلّقة ببواطن خواصّ الأمّة وأخصّ الخواصّ من المكاشفات، والمشاهدات السّرّيّة، ولكلّ واحد من الملك والملكوت مدركات، فقوله: لا تُحَرِّكْ يشير إلى عدم تعبيره بلسان الظّاهر عن أسرار الباطن، فإنّ الحقائق آبية عن التّعبير عنها بالعبارات".

والعجب ممّن يفسّر القرآن بذلك، ويغفل عن نزول هذه الآيات في مكّة لقوم بسطاء كانوا ينكرون الوحي والنّبوّة، فكيف بهذه الأسرار الإلهيّة الّتي وصل إليها صاحب التّأويلات النّجميّة بعد قرون؟!

وبين أمثال هذه التّأويلات الغريبة، وما سنتلوه عليكم نقلا عن المتأخّرين الجدد بون بعيد:

قال سيّد قطب بشأن هذه الآيات الأربع خلال آيات القيامة:"جاءت تعليما له في شأن تلقّي هذا القرآن. ويبدو أنّ هذا التّعليم جاء بمناسبة حاضرة في السّورة ذاتها، إذ كان الرّسول صلّى اللّه عليه وآله يخاف أن ينسى شيئا ممّا يوحى إليه، فكان حرصه على التّحرّز من النّسيان يدفعه إلى استذكار الوحي فقرة فقرة في أثناء تلقّيه، بتحريك لسانه به ليستوثق من حفظه، فجاءه هذا التّعليم- وذكر الآيات- ليطمئنه إلى أنّ أمر هذا الوحي، وحفظ هذا القرآن، وجمعه وبيان مقاصده، كلّ أولئك موكول إلى صاحبه، ودوره هو، هو التّلقّي والبلاغ- إلى أن قال:- ودلالة إثبات هذه الآيات في موضعها هذا من السّورة دلالة عميقة موحية على حقيقة لطيفة في شأن كلّ كلمات اللّه في أيّ اتّجاه ...".

وقال عزّة دروزة:"و في الآيات صورة رائعة من صور التّنزيل القرآنيّ ووحيه. وترد لأوّل مرّة في وقت مبكّر نوعا ما من العهد المكّيّ، وهي تثير معاني خطيرة وجليلة نبّهنا إليها بإسهاب في كتابنا- القرآن المجيد-."

ومن ذلك أنّها لا تدع محلّا لشكّ ولا مراء حتّى من أشدّ النّاس شكّا ومراء- إلى أن قال:- ومن ذلك أنّ النّبيّ كان شديد الحرص على ألّا يفلت منه آية أو كلمة أو حرف أو معنى ممّا يوحى إليه ..."."

ثالثا: ليست هذه الآيات- جملة معترضة بين ما قبلها وما بعدها- فريدة في القرآن، فكم تجد مثلها خلال الآيات! ومنها تلك الآيات الّتي أيّدنا بها الوجه الأوّل في توجيه لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ مثل: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى وما تلاها، فإنّ أكثرها وقعت خلال آيات لا تتحدّث عن القرآن، دفعا لشبهة كان المشركون في مكّة يطرحونها، أو توثيقا للنّبيّ عن النّسيان، لأنّه آن ذاك كان حديث عهد بالوحي القرآنيّ، فيخاف النّسيان.

رابعا: وبذلك انتهينا إلى مزايا ثلاثة بشأن القرآن:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت