فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 713
أصابع الرّحمان يقلّبه كيف يشاء"ولهذا جاء:"
"و المخلصون على خطر عظيم"وكان دأب الصّدّيقين أن يخلطوا الطّمع بالخوف والرّغبة بالرّهبة. يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا السّجدة: 16، وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا الأنبياء: 90، وقيل: لا خوف عليهم أمامهم، فليس شي ء أعظم في صدر الّذي يموت ممّا بعد الموت، فآمنهم اللّه تعالى، ثمّ سلّاهم فقال لهم: وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلّفوه بعد وفاتهم في الدّنيا، ثمّ إنّ الأئمّة خصّصوا نفي الخوف والحزن بالآخرة، لأنّ مجاري الأمور في الدّنيا لا تخلو من مواجب الخوف والحزن.
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم:"خصّ البلاء بالأنبياء، ثمّ بالأولياء، ثمّ الأمثل فالأمثل"قلنا: المؤمن الرّاضي بقضاء اللّه وقدره لا يرى شيئا من المكاره مكروها، وإنّما مراده مراد حبيبه: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا النّساء: 65.
فبترك الإرادة يصحّ نسبة العبوديّة، وبالرّضوان يحصل مفاتيح الجنان، وتنكشف الهموم والأحزان، ويتساوى الفقر والوجدان، وتثبت حقيقة الإيمان وَالَّذِينَ كَفَرُوا لجحدهم مولاهم وَكَذَّبُوا بِآياتِنا لإثباتهم حكما لهم بحسب مشتهاهم وهواهم أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ البقرة: 39، ملازموها دائما سرمدا.
سواء كانوا من الإنس أو من الجنّ، أعاذنا اللّه منها بعميم فضله وجسيم طوله. (1: 289)
أبو حيّان: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ قرأ الجمهور بالرّفع والتّنوين، وقرأ الزّهريّ وعيسى الثّقفيّ ويعقوب بالفتح في جميع القرآن، وقرأ ابن محيصن باختلاف عنه بالرّفع من غير تنوين. وجه قراءة الجمهور مراعاة الرّفع في وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فرفعوا للتّعادل، قال ابن عطيّة:
والرّفع على إعمالها إعمال ليس، ولا يتعيّن ما قاله بل الأولى أن يكون مرفوعا بالابتداء لوجهين:
أحدهما: إنّ إعمال (لا) عمل ليس قليل جدّا، ويمكن النّزاع في صحّته، وإن صحّ فيمكن النّزاع في اقتباسه.
والثّاني: حصول التّعادل بينهما إذ تكون (لا) قد دخلت في كلتا الجملتين على مبتدإ ولم تعمل فيهما.
ووجه قراءة الزّهريّ ومن وافقه أنّ ذلك نصّ في العموم فينفي كلّ فرد فرد من مدلول الخوف، وأمّا الرّفع فيجوزه وليس نصّا، فراعوا ما دلّ على العموم بالنّصّ دون ما يدلّ عليه بالظّاهر.
وأمّا قراءة ابن محيصن، فخرّجها ابن عطيّة على أنّه من إعمال (لا) عمل (ليس) ، وأنّه حذف التّنوين تخفيفا لكثرة الاستعمال، وقد ذكرنا ما في إعمال (لا) عمل (ليس) ، فالأولى أن يكون مبتدأ كما ذكرناه إذا كان مرفوعا منوّنا وحذف تنوينه كما قال: لكثرة الاستعمال، ويجوز أن يكون عرى من التّنوين لأنّه على نيّة الألف واللّام، فيكون التّقدير فلا الخوف عليهم، ويكون مثل ما حكى الأخفش عن العرب: سلام عليكم، بغير تنوين. قالوا: يريدون السّلام عليكم، ويكون هذا التّخريج أولى؛ إذ يحصل التّعادل في كون (لا) دخلت على المعرفة في كلتا الجملتين، وإذا دخلت على المعارف لم تجر مجرى (ليس) ، وقد سمع من ذلك بيت للنّابغة