المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 713
بحذف حرف المدّ لاختلاس حركة النّون، و"أحنوخ".
الاستعمال القرآنيّ، وفيه:
1 -على الرّغم من تأكيد النّصوص على أنّ إدريس هذا هو من أجداد نوح، فالمستفاد من القرآن أنّه أحد أنبياء بني إسرائيل. فقد مرّ في صدر البحث أنّ إدريس جاء في آيتين، إحداهما في سورة مريم والأخرى في الأنبياء.
أمّا الّتي في مريم فإنّها متأخّرة عن ذكر جماعة من الأنبياء، فقد بدأت هذه السّورة بذكر زكريّا ويحيى ثمّ مريم وعيسى، ثمّ عادت إلى ذكر إبراهيم وموسى وهارون وإسماعيل (صادق الوعد) إلى أن تقول:
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا* وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا: 56، 57، وأضافت مباشرة:
أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا ...: 58، وهذا السّياق كأنّه تصريح بأنّ إدريس من ذرّيّة آدم، وممّن حمل مع نوح، ومن ذرّيّة إبراهيم وإسرائيل، وإلّا فهذا السّياق يرفض على أقلّ تقدير أنّ إدريس من أجداد نوح.
وأمّا آية الأنبياء فلعلّها أقرب من ذلك، فإنّ تلك السّورة تبدأ بسرد قصص الأنبياء بذكر موسى وهارون، ثمّ إبراهيم ولوط، ثمّ إسحاق ويعقوب، ثمّ تعود إلى الخلف لتذكر: وَنُوحًا إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ الأنبياء: 76، ثمّ ترجع إلى داود وسليمان وأيّوب، إلى أن تقول:
وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ الأنبياء: 85، ثمّ تذكر ذا النّون، ثمّ زكريّا ويحيى.
فالمشاهد في هذا السّياق ذكر إدريس بعد داود وسليمان، وقبل ذي النّون وزكريّا ويحيى، وهؤلاء كلّهم من بني إسرائيل. وفي نفس الآية ذكر إدريس مع إسماعيل وذي الكفل. وإسماعيل هذا إمّا ابن إبراهيم، أو رجل آخر يسمّى"صادق الوعد"، وهو الظّاهر هنا بقرينة آية مريم؛ حيث جاء فيها: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ إلى أن قال: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا مريم: 56، وبقرينة قوله: وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ ص: 48، لاحظ"إسماعيل".
فإنّ إسماعيل وذا الكفل هما من بني إسرائيل، وقد جاء إدريس متوسّطا بينهما في آية الأنبياء: وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ، ولا أقل من أنّ هذا السّياق في الآيات يأبى كون إدريس من أجداد نوح، لو لا أنّه كالتّصريح في كونه من بني إسرائيل، وأنّ هؤلاء كلّهم من الصّابرين على ما أصابهم من هذه الأمّة العاصية العاتية العنيدة.
2 -ووصف إدريس في الآيتين بأنّه كان صدّيقا نبيّا، وأنّه من الصّابرين كشأن سائر الأنبياء. والسّياق يشعر بالدّوام، وأنّه كان مداوما على هذه الخصال، كملكة راسخة فيه، ولو لا ذلك لما استحقّ النّبوّة والزّعامة. ولا يخفى أنّ هذا الوصف نفسه قد جاء في نفس السّورة في شأن إبراهيم شيخ الأنبياء: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا مريم: 41، وكفى به عظمة، كما أنّ الصّبر من أوصاف أولي العزم من