المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 712
والحقيقة، وكونه من الأنبياء المرسلين في مرتبة إسماعيل وذي الكفل، وأنّه من الصّابرين على الحقّ الّذين هم استقاموا على الطّريقة الإلهيّة، وأداء الوظائف المعيّنة.
[إلى أن قال:]
فظهر ممّا ذكر أنّ إدريس لا شكّ أنّه أخنوخ بن يارد، وأنّه قبل نوح، وأنّه من الأنبياء الصّدّيقين.
وأمّا أنّ كلمة"إدريس"هل هي معرّبة من السّريانيّة أو العبرانيّة أو اليونانيّة؟ وهل هي كانت وصفا أو لقبا أو اسما آخر له؟ فلا مأخذ لنا في تحقيقها.
وأقوال أخر يقال في هذا المورد: من أنّ كلمة"إدريس"عربيّة من مادّة"الدّرس"، وأنّه من أنبياء بني إسرائيل، وأنّه هو إلياس أو غيره، وأنّه بعد زمان نوح النّبيّ. كلّها ضعيفة ساقطة. (1: 45: 46)
الأصول اللّغويّة
1 -قال المتقدّمون فيه: إنّه عربيّ مشتقّ من الدّرس، فهو على وزن"إفعيل"وسمّي بهذا الاسم لكثرة دراسته كتاب اللّه، أو لكثرة تدريسه الصّحف. وردّ المتأخّرون هذا الرّأي بقولهم: بأنّه لو كان عربيّا ما منعه من الصّرف مانع، والعلميّة وحدها لا تمنعه من الصّرف، وهو دليل على أعجميّته.
وتعقيبا على ما ذكر فإنّ أوزان المبالغة كلّها سماعيّة، و"إفعيل"غير مسموع فيها، فلو كان من الدّرس فتكثيره"درّاس"كما جاء في اللّغة، وما قيل: إنّه من التّدريس هو وهم، لأنّ هذه الأوزان تبنى من الأفعال الثّلاثيّة المجرّدة، والتّدريس مزيد فيه.
2 -والصّحيح أنّه سريانيّ معرّب. وقد ورد بألفاظ مختلفة في هذه اللّغة، فقالوا:"أندرياس"و"أندراس"و"أندروس"و"أندريس". واللّغة الأخيرة مطابقة للّفظ المعرّب، إلّا أنّ همزته مكسورة فيه، كما هو ديدن العرب مع الأسماء الأعجميّة؛ إذ أنّهم يتصرّفون فيها تصرّفا فاحشا، مثلما قالوا: إنجيل وأنجيل. وحذفوا النّون، لأنّها لا تقع بين همزة ودال في اسم عربيّ، سوى وقوعها بينهما في لفظ"أندر"بمعنى بيدر أو كدس حنطة، ولعلّه لفظ سريانيّ، فاللّغويّون يقولون: إنّه لغة شاميّة، ثمّ سكّنوا الدّال للتّخفيف فصار"إدريس".
3 -واختلفوا في المسمّى كاختلافهم في الاسم، فقال بعضهم: هو إلياس، وقال الجمهور: هو أخنوخ، الوارد ذكره في التّوراة، وقال اليونانيّون: هو هرمس الحكيم
وسبب هذا الخلاف يرجع إلى عدم ورود اسمه في عمود النّسب، ولكنّ النّسّابين أجمعوا على أنّ أخنوخ الوارد اسمه في العمود هو إدريس نفسه، وهو أخنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم، وهو أبو جدّ نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ.
4 -وقد وقع خلاف في ضبط لفظ أخنوخ وفي أسماء آبائه أيضا، لأنّ هذه الأسماء عبريّة، ومخارج حروفها تختلف عن مخارج العربيّة، فلقد ورد بلفظ"أخنوخ"وهو أشهرها، و"حنوخ".
وقالوا فيه أيضا:"خنوخ"بدون همز، و"أخنخ"