المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 736
أمّا الإيجاب فجاء ثلاث مرّات:
إحداها (25) حكاية عن يعقوب قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ.
ثانيتها (22) ذمّا للنّجوى حيث يحزن المؤمنون به إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا.
ثالثتها (37) ترحّما على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله لحزنه ممّا يقوله الكفّار ويكذّبونه قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ.
وجاء مصدرا بلفظ"حزن"مرّتين كلاهما حكاية عن يعقوب أيضا (26) وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ، و (27) إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ، وبلفظ"حزن"مرّتين أيضا (40 و41) وسنبحثه.
وأمّا السّلب ففي باقي الآيات، وهي تختلف نفيا ونهيا:
أمّا النّفي فجاء 28 مرّة: منها 14 مرّة فعلا مع الخوف (4 - 17) بسياق واحد فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* أو لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ، و14 مرّة مع غير الخوف وقد سبق البحث فيها.
وأمّا النّهي فجاء 13 مرّة: (1 - 3 و20 و28 - 36) منها 8 مرّات (29 - 36) نهي من اللّه للنّبيّ عن حزنه على الكفّار، لاتّخاذهم طريق الضّلالة أو التّكذيب، ومثلها (37) إثباتا قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ.
وهذا التّكرار إن دلّ على شي ء يدلّ على فرط حبّه وشدّة تعلّقه بهداية النّاس، فكان يحزنه إنكارهم، فنهاه اللّه عنه تسلّيا له، وتطييبا لقلبه الطّيّب، ونظيرها آيات أخرى مثل طه* ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى
طه: 1، 2.
وقد طرحوا هنا سؤالا، وهو أنّ الحزن عارض للنّفس قهرا من دون اختيار صاحبه، فلا يتعلّق به تكليف، فكيف جاء النّهي عن الحزن في هذه الآيات؟
وأجابوا عنه بأنّ النّهي عن التّأثير نهي عن التّأثّر، كما يقال:"لا أرينّك هاهنا، ولا يأكلك السّبع"وقد وجّه فيهما النّهي إلى اللّازم، والمراد هو النّهي عن الملزوم.
وبأنّها تسلية ورفع للحزن ببيان حقيقة الأمر، أو عزاء ومواساة للنّبيّ عليه السّلام وغيره، أو مبالغة في رفض الحزن، ونحوها.
وطرح الفخر الرّازيّ في (33) وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ سؤالا آخر، وهو"أنّ الحزن على كفر الكافر ومعصية العاصي طاعة فكيف نهى اللّه عن الطّاعة"؟
وأجاب عنه بوجهين:
أحدهما: أنّه كان يفرط ويسرف في الحزن على كفرهم، حتّى كاد يؤدّي إلى لحوق الضّرر به عليه السّلام، فنهاه عن الإسراف فيه، كما قال: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ فاطر: 8.
وثانيهما: أنّ معناها لا يحزنوك لخوف أن يضرّوك ويعينوا عليك، ولهذا قال بعده: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا آل عمران: 176. ولكلّ من الوجهين شواهد في القرآن.
ثامنا: جاء الحزن في الجميع لازما إلّا 7 آيات فجاء فيها متعدّيا: (19) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ، (25)