المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 737
إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ، و (33 و34) وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ، ونحوها ما بعدها إلى (37) . ولا خلاف فيها. وربّما تلحق بها (22) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا أي ليحزن الشّيطان أو النّجوى الّذين آمنوا، وقد قرأت بعض هذه الآيات (يحزن) من باب الإفعال، فلا حظ النّصوص.
تاسعا: جاء (حزن) ثلاث مرّات (40 - 42) : مرّتين بشأن أهل الدّنيا، ومرّة بشأن أهل الآخرة، وفيها بحوث:
1 -فرّق الخليل بين الحزن والحزن، بأنّ الحزن خاصّ بالتّثقيل والحزن بالتّخفيف، ولا يعلم أنّ مراده التّثقيل والتّخفيف لفظا أو معنى. وقد خصّ المصطفويّ التّحريك بالاستمرار تتابعا بين اللّفظ والمعنى. ولا شاهد لقولهما.
وأمّا الآخرون فقد نصّوا على أنّهما مصدران سواء، قال الطّبرسيّ:"الحزن والحزن لغتان مثل البخل والبخل، والعرب والعرب، والعجم والعجم". ويبدو أنّ الحزن يأتي اسم مصدر دون الحزن كما سبق. وعلى الرّغم من ذلك ف"الحزن"في الآيات الثّلاث أقرب إلى اسم المصدر من المصدر، كما سترى.
2 -جاء"الحزن"في (40 و41) بشأن جماعتين إحداهما مؤمنة والأخرى كافرة، في سياق يماشي التّشديد والاستمرار معا.
أمّا الكافرة (40) - وهي مقدّمة زمانا- فهي آل فرعون، أي أسرته خاصّة، أو قومه عامّة؛ وذلك حين التقطوا موسى من اليمّ، وهو طفل رضيع، ألقته أمّه في اليمّ بوحي من اللّه عزّ وجلّ، خوفا من فرعون أن يقتله، كما قال: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ* فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ* وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * إلى* فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ القصص: 7 - 13.
واللّام في (ليكون) للعاقبة لا للغاية، أي ليكون لهم في عاقبة أمره كذلك، لا أنّهم أخذوه لهذا الغرض. ونحن نعلم أنّ موسى بعد أن أوتي الرّسالة ورجع إلى مصر ما ذا فعل بفرعون وآله بل بقومه؟ فكان لهم عدوّا كبيرا وحزنا شديدا حتّى أتى على آخرهم، وجعلهم أحاديث.
وعطف (حزنا) على (عدوّا) يعطي نهاية الحزن وو أقصاه شدّة ومدّة. ويمدّه استيعابا لقومه بشدّة ما بعدها:
إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ، وأَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ، ولكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ.
وأمّا المؤمنة فهي جماعة من هذه الأمّة الكريمة من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله، جاؤوه ليحملهم معه إلى غزوة تبوك، فاعتذر منهم قائلا: لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ولنتلوا الآيات عليك كاملة لتلمس الجوّ الّذي جاء فيه"حزنا"بشأن هؤلاء المؤمنين المخلصين لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ