فهرس الكتاب

الصفحة 7068 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 738

وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ التّوبة: 91، 92، أي ليس على الضّعفاء والمرضى والّذين لا يجدون ما ينفقون حرج في قعودهم عن القتال، فهم محسنون، وليس على المحسنين من سبيل، ويشملهم عفو اللّه ورحمته.

وقد أدان اللّه قبلها وبعدها القاعدين والمعتذرين الّذين رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، فلا حظ.

وكما قارن (حزنا) في الجماعة الكافرة ب (عدوّا) تشديدا وإنهاء بالحزن، قارنه في الجماعة المؤمنة ب وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ، إعلاما بأنّ فيضان دمعهم يحكي عن فيضان قلوبهم بالمشاركة مع النّبيّ سماحة منهم في القتال، لكنّهم- مع الأسف- حرموا، فكانت قلوبهم مليئة بالحزن، وعيونهم فائضة بالدّمع، والدّمع ينبع عن حزن القلب أو شوقه، يجري على ظاهر الخدّ، ليكون شاهد صدق على ما جرى في باطن القلب.

ونحن نغتنم الفرصة هنا للتّنبيه على نكات:

الأولى: ينبغي مقارنة نفسيّة في الآيتين بين أعداء اللّه الكفرة، الطّغاة على خلقه، كفرعون وهامان وجنودهما، وبين أولياء اللّه وأحبّائه المؤمنين المخلصين.

فتلك جماعة أشقياء، تقتل النّفوس المحرّمة حتّى الأطفال، إبقاء على حياتهم الخبيثة الظّالمة، حتّى كاد فرعون وأعوانه الأشقياء أن يقتلوا الطّفل الرّضيع- لو لا شفاعة امرأته المؤمنة بعاطفتها الطّيّبة: وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ ... - من غير أن ينعطفوا إلى ما جرى على فؤاد أمّه من الحزن وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ القصص: 10، 11.

وهذه جماعة سعداء تضحّي نفوسها الطّيّبة وتستقبل الموت في سبيل نجاة خلق اللّه عن ورطة الضّلالة إلى الصّراط المستقيم صراط اللّه، حبّا للخلق والخالق إلى حدّ تتلاشى قلوبهم حزنا، وتتفجّر عيونهم دمعا، حين لم يتمكّنوا من الفداء والتّضحية.

فجازى اللّه الفريقين بما يوافق نفوسهم، ووصفهم بما ينطوي عليه قلوبهم، فقال فيهما ما تلوناه عليك من المدح والذّمّ والإدانة والإطراء.

الثّانية: قارن نفوس هؤلاء المؤمنين الفقراء وتلك المنافقين الألدّاء حول النّبيّ في غزوة تبوك، وقد وصف اللّه الفريقين معا في سورة التّوبة النّازلة قبيل رحيل النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله، تاركا هذه الحياة إلى الملكوت الأعلى. وكلا الفريقين كان باقيا بعده بين المسلمين بكثرة هائله، وكان لهما دور في كثير من الأحداث، فلا تظنّنّ أنّ المؤمنين المخلصين انحرفوا وارتدّوا إلّا القليل القليل.

فأين الّذين رفعوا راية الإسلام على أكتافهم جهادا وتضحية وفداء في سبيل اللّه في شرق العالم وغربه؟ وأين الّذين نشروا الأكاذيب بشأن القرآن وتحريفه، وبشأن النّبيّ وأنصاره، وبشأن أهل بيته من هذين الفريقين؟

والتّفصيل في (المهاجرين والأنصار) فانتظر.

الثّالثة: التّدبّر في الآيات بما تحتوي من النّكات، أهمّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت