فهرس الكتاب

الصفحة 7069 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 739

من الاختلاف المفرط في الإعراب والقراءة عن الشّواذّ، لكنّهم مع الأسف أفرطوا في الآيتين حتّى تجاوزوا الحدّ اللّازم.

أمّا في الأولى فقد حكى الطّبرسيّ (4: 240) في (عدوّا وحزنا) قراءة أهل الكوفة غير عاصم (حزنا) والباقين بفتحها- وهو المساعد للسّياق كما قلنا- وفي الشّواذّ قراءة الحسن وفضالة (فزعا) ، وقراءة ابن عبّاس (قرعا) ، وعن بعضهم (فرغا) .

وأمّا في الثّانية فقالوا في إعراب (حزنا) : مفعول لأجله، والعامل فيه (تفيض) . وقد ناقشوا فيه باختلاف الفاعل، لأنّ فاعل (تفيض) (اعينهم) وفاعل (حزنا) "القلوب". وأجابوا عنه بأنّ"الحزن"أسند إلى"الأعين"مجازا، يقال: عين حزينة وسخينة ... ويجوز أن يكون العامل فيه (تولّوا) فيتّحد فاعلا العلّة والمعلول حقيقة، أو لرجوع المعنى إلى تولّوا وهم يبكون حزنا.

وجه آخر: أنّه حال من (تولّوا) أي تولّوا حزينين، أو من (تفيض) أي تفيض أعينهم حزينة على ما تقدّم من المجاز.

ووجه ثالث: أنّه مصدر ناصبه فعل مقدّر من لفظه، أي يحزنون حزنا، أو لا تحزن حزنا، وهذه الجملة المقدّرة في محلّ نصب على الحال إمّا من (تولّوا) ، أو (تفيض) وهلمّ جرّا.

3 -وجاء (الحزن) في (42) قولا لأهل الجنّة وهم فيها: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ* وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ* الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ فاطر: 33 - 35.

وقد اختلفوا في (الحزن) أهو أحزانهم في الدّنيا من أجل المعيشة. مثل همّ الخبز والجوع وكراء الدّار ونحوها، أو من أجل الآفات والأعراض والأمراض والبلايا وظلم السّلطان أو غيره، وزوال النّعم، أو خوف الموت.

أو من أجل السّيّئات والمعاصي، وردّ الطّاعات، أو وسوسة الشّيطان، وخوف من الآخرة، وأهوال يوم القيامة، ومن سوء العاقبة، لأنّهم لا يعلمون ما يفعل بهم، وأنّهم من أهل النّار أو من أهل الجنّة.

أو حزنهم في الآخرة بما حاق بهم بعد الموت واستمرّ إلى أن دخلوا الجنّة، أو كلّ حزن دنيويّ وأخرويّ- واختاره الطّبريّ والزّجّاج والفخر الرّازيّ وغيرهم- ولا بأس به.

وأنهاها الماورديّ إلى عشرة؛ عاشرها حزن التّباغض والتّحاسد، لأنّ أهل الجنّة متواصلون لا يتباغضون ولا يتحاسدون.

وقال القشيريّ:"تحقّقوا بحقائق الرّضا، سمّي الحزن حزنا لحزونة- صعوبة- الوقت على صاحبه، وليس في الجنّة- وهي جوار الحضرة- حزونة، وإنّما هو رضى واستبشار"وهذا معنى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ المائدة: 119.

واعلم أنّ الحزن من وجهة نظر العرفاء الواصلين، هو الفراق والغربة عن الحضور وهو أكبر همّهم، وقد تبدّل لهم في الجنّة بالوصول والحضور، وهو أقصى أمانيّهم وأكبر آمالهم وأعظم مواهبهم الرّبّانيّة. وهذه حاصلة للكمّلين منهم في الحياة الدّنيا، فكيف في الجنّة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت