فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 788
والدّليل على ذلك هو ما ذكرناه في تفسير هذه الآية، وهو أنّ أعمال الإنسان تؤثّر في وجوده وفي وجود الكائنات المحيطة به تماما، مثل الماكنة الّتي تسجّل مقدار حركتها في عدّاد متّصل بها.
وبتعبير أوضح، لو كانت هناك أجهزة دقيقة جدّا لاستطاعت أن تقرأ في عين الإنسان عدد النّظرات الآثمة الّتي نظرتها، وتقرأ على الألسنة عدد الأكاذيب والافتراءات والتّهم والطّعون الّتي اقترفتها، أي أنّ كلّ عضو من أعضاء الجسم فيه- بالإضافة إلى روحه- جهاز حاسب يكشف الحساب في لحظة واحدة.
وإذا جاء في بعض الرّوايات أنّ محاسبة المسؤولين والأغنياء تطول يوم القيامة، فإنّ هذا لا يعني في الواقع طول زمن الحساب، بل هو طول زمن المحاسبة عليهم؛ إذ إنّهم لا بدّ لهم من الإجابة على الأسئلة الكثيرة الّتي تلقى عليهم بشأن الأعمال الّتي ارتكبوها، أي أنّ ثقل مسؤوليّاتهم ولزوم إجابتهم على الأسئلة لإتمام الحجّة عليهم، هي الّتي تطيل زمن محاكمتهم.
يؤلّف مجموع هذه الآيات درسا تربويّا كاملا لعباد اللّه، في إحاطة علمه تعالى بأصغر ذرّات هذا العالم وبأكبرها وقدرته وقهره لعباده، ومعرفته بجميع أعمال البشر، وقيام كتبة أمناء بحفظ أعمال النّاس وقبض أرواحهم في لحظات معيّنة بالنّسبة لكلّ منهم، وبعثهم يوم القيامة، ومن ثمّ محاسبتهم محاسبة دقيقة وسريعة.
أهناك من يؤمن بمجموع هذه المسائل، ثمّ لا يراقب أعماله، ويظلم دون وازع، ويكذب، ويفتري، ويعتدي على الآخرين؟
هل يجتمع كلّ هذا مع الإيمان والاعتقاد على صعيد واحد؟ (4: 298)
سريع الحساب
1 -أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ. البقرة: 202
الإمام عليّ عليه السّلام: معناه أنّه يحاسب الخلق دفعة كما يرزقهم دفعة. (الطّوسيّ 2: 174)
سئل كيف يحاسب اللّه سبحانه الخلق ولا يرونه؟
قال: كما يرزقهم اللّه ولا يرونه. (الكاشانيّ 1: 218)
الحسن: أسرع من لمح البصر. (الثّعلبيّ 2: 117)
الإمام العسكريّ عليه السّلام: لأنّه لا يشغله شأن عن شأن، ولا محاسبة أحد من محاسبة آخر، فإذا حاسب واحدا فهو في تلك الحال محاسب للكلّ، يتمّ حساب الكلّ بتمام حساب واحد، وهو كقوله: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ لقمان: 28، لا يشغله خلق واحد عن خلق آخر، ولا بعث واحد عن بعث آخر.
الطّبريّ: إنّه محيط بعمل الفريقين كليهما، اللّذين من مسألة أحدهما: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا ومن مسألة الآخر: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ فمحص له بأسرع الحساب، ثمّ إنّه مجاز كلا الفريقين على عمله.
وإنّما وصف جلّ ثناؤه نفسه بسرعة الحساب، لأنّه جلّ ذكره يحصي ما يحصى من أعمال عباده بغير عقد أصابع، ولا فكر، ولا رويّة فعل العجزة الضّعفة من