فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 789
الخلق، ولكنّه لا يخفى عليه شي ء في الأرض ولا في السّماء، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة فيهما، ثمّ هو مجاز عباده على كلّ ذلك، فلذلك جلّ ذكره امتدح بسرعة الحساب، وأخبر خلقه أنّه ليس لهم بمثل، فيحتاج في حسابه إلى عقد كفّ أو وعي صدر. (2: 302)
الزّجّاج: المعنى أنّه قد علم ما للمحاسب وما عليه قبل توقيفه على حسابه، فالفائدة في الحساب: علم حقيقته. وقد قيل في بعض التّفسير: إنّ حساب العبد أسرع من لمح البصر، واللّه أعلم. (1: 275)
نحوه النّحّاس. (1: 144)
الشّريف المرتضى: إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ فقال: أيّ تمدّح في سرعة الحساب، وليس بظاهر وجه المدحة فيه؟
الجواب: قلنا: في ذلك وجوه:
أوّلها: أن يكون المعنى أنّه سريع المجازاة للعباد على أعمالهم، وأنّ وقت الجزاء قريب وإن تأخّر، ويجري مجرى قوله تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ النّحل: 77.
وإنّما جاز أن يعبّر عن المجازاة أو الجزاء بالحساب، لأنّ ما يجازى به العبد هو كف ء لفعله ولمقداره، فهو حساب له إذا كان مماثلا مكافئا.
وممّا يشهد بأنّ في الحساب معنى الكفاية والمكافأة قوله تعالى: جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا النّبأ: 36، أي عطاء كافيا، ويقال: أحسبني الطّعام يحسبني إحسابا، إذا كفاني. [ثمّ استشهد بشعر]
وثانيها: أن يكون المراد أنّه عزّ وجلّ يحاسب الخلق جميعا في أوقات يسيرة، ويقال: إنّ مقدار ذلك مقدار حلب شاة، لأنّه تعالى لا يشغله محاسبة بعضهم عن محاسبة غيره، بل يكلّمهم جميعا ويحاسبهم كلّهم على أعمالهم في وقت واحد. وهذا أحد ما يدلّ على أنّه تعالى ليس بجسم، وأنّه لا يحتاج في فعل الكلام إلى آلة، لأنّه لو كان بهذه الصّفات- تعالى عنها- لما جاز أن يخاطب اثنين في وقت واحد بمخاطبتين مختلفتين، ولكان خطاب بعض النّاس يشغله عن خطاب غيره، ولكانت مدّة محاسبته للخلق على أعمالهم طويلة غير قصيرة، كما أنّ جميع ذلك واجب في المحدثين الّذين يفتقرون في الكلام إلى الآلات.
وثالثها: ما ذكره بعضهم من أنّ المراد بالآية أنّه سريع العلم بكلّ محسوب، وأنّه لمّا كانت عادة بني الدّنيا أن يستعملوا الحساب والإحصاء في أكثر أمورهم، أعلمهم اللّه تعالى أنّه يعلم ما يحسبون بغير حساب، وإنّما سمّي العلم حسابا، لأنّ الحساب إنّما يراد به العلم.
وهذا جواب ضعيف؛ لأنّ العلم بالحساب أو المحسوب لا يسمّى حسابا، ولو سمّي بذلك لما جاز أيضا أن يقال: إنّه سريع العلم بكذا، لأنّ علمه بالأشياء ممّا لا يتجدّد فيوصف بالسّرعة.
ورابعها: أنّ اللّه تعالى سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم؛ وذلك أنّه يسأل في وقت واحد سؤالات مختلفة، من أمور الدّنيا والآخرة، فيجزي كلّ عبد بمقدار استحقاقه ومصلحته، فيوصل إليه عند دعائه ومسألته ما يستوجبه بحدّ ومقدار. فلو كان الأمر على ما يتعارفه النّاس لطال العدد واتّصل الحساب، فأعلمنا تعالى أنّه