فهرس الكتاب

الصفحة 7120 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 790

سريع الحساب، أي سريع القبول للدّعاء بغير إحساس وبحث عن المقدار الّذي يستحقّه الدّاعي، كما يبحث المخلوقون للحساب والإحصاء.

وهذا الجواب مبنيّ أيضا على دعوى أنّ قبول الدّعاء لا يسمّى حسابا في لغة ولا عرف ولا شرع، وقد كان يجب على من أجاب بهذا الجواب أن يستشهد على ذلك بما يكون حجّة فيه، وإلّا فلا طائل فيما ذكره.

ويمكن في الآية وجه آخر، وهو أن يكون المراد ب (الحساب) : محاسبة الخلق على أعمالهم يوم القيامة وموافقتهم عليها، وتكون الفائدة في الإخبار بسرعته الإخبار عن قرب السّاعة، كما قال تعالى: سَرِيعُ الْعِقابِ.*

وليس لأحد أن يقول: فهذا هو الجواب الأوّل الّذي حكيتموه؛ وذلك أنّ بينهما فرقا، لأنّ الأوّل مبنيّ على أنّ (الحساب) في الآية هو الجزاء والمكافأة على الأعمال، وفي هذا الجواب لم يخرج الحساب عن بابه وعن معنى المحاسبة، والمقابلة بالأعمال وترجيحها؛ وذلك غير الجزاء الّذي يفضي الحساب إليه.

وقد طعن بعضهم في الجواب الثّاني معترضا على أبي عليّ الجبّائيّ في اعتماده إيّاه، بأن قال: مخرج الكلام في الآية على وجه الوعيد، وليس في خفّة الحساب وسرعة زمانه ما يقتضي زجرا، ولا هو ممّا يتوعّد بمثله؛ فيجب أن يكون المراد الإخبار عن قرب أمر الآخرة، والمجازاة على الأعمال.

وهذا الجواب ليس أبو عليّ هو المبتدئ به، بل قد حكي عن الحسن البصريّ، واعتمده أيضا قطرب بن المستنير النّحويّ، وذكره المفضّل بن سلمة، وليس الطّعن الّذي حكيناه عن هذا الطّاعن بمبطل له، لأنّه اعتمد على أنّ مخرج الآية مخرج الوعيد، وليس كذلك، لأنّه تعالى قال: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ* وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ* أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ البقرة: 200 - 202.

فالأشبه بالظّاهر أن يكون الكلام وعدا بالثّواب، وراجعا إلى الّذين يقولون: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ، أو يكون راجعا إلى الجميع، فيكون المعنى: أنّ للجميع نصيبا ممّا كسبوا، فلا يكون وعيدا خالصا، بل إمّا أن يكون وعدا خالصا أو وعدا ووعيدا.

على أنّه لو كان وعيدا خالصا على ما ذكر الطّاعن، لكان لقوله تعالى: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ، على تأويل من أراد قصر الزّمان، وسرعة الموافقة وجه وتعلّق بالوعد والوعيد؛ لأنّ الكلام على كلّ حال متضمّن لوقوع المحاسبة على أعمال العباد، والإحاطة بخيرها وشرّها؛ وإن وصف (الحساب) مع ذلك بالسّرعة. وفي هذا ترغيب وترهيب لا محالة، لأنّ من علم أنّه يحاسب بأعماله، ويواقف على جميلها وقبيحها، انزجر عن القبيح ورغب في فعل الواجب.

فبهذا ينصر الجواب، وإن كنّا لا ندفع أنّ في حمل الحساب على قرب المجازاة، أو قرب المحاسبة على الأعمال ترغيبا في الطّاعات وزجرا عن المقبّحات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت