فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 840
أمّتي على تصوّر المعصية، وإنّما يعاقب على عملها، فلا منافاة بين الحديث والآية خلافا لمن توهّم ذلك، ووقع في حيص بيص لدفعه.
ولا يشكل على هذا أنّهم قالوا: إذا وصل التّصوّر إلى حدّ التّصميم والعزم يؤاخذ به، لقوله تعالى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ البقرة: 225، لأنّا نقول: المؤاخذة بالحقيقة على تصميم العزم على إيقاع المعصية في الأعيان، وهو أيضا من الكيفيّات النّفسانيّة الّتي تلحق بالملكات، ولا كذلك سائر ما يحدث في النّفس. [ثمّ نقل الأقوال في النّسخ وقال:]
وجميع هذه الأقوال لا تخلو عن نظر، فتدبّر.
رشيد رضا: ويصحّ أن تكون الآية متّصلة بآية الدّين من أوّلها، لأنّه شرّع لنا أحكاما تتعلّق بالدّين كالكتابة والشّهادة، فكأنّه يقول: إن تساهلتم في هذه الأحكام وأضعتم الحقوق، فتظاهر تم بالأمانة مع انطواء النّفس على الخيانة، وغالطتم النّاس وأكلتم أموالهم بذلك، أو أضعتموها بكتمان الشّهادة ونحو ذلك، فإنّ اللّه يحاسبكم ويعاقبكم على ذلك، لأنّ له ما في السّموات وما في الأرض منها أنتم وأعمالكم النّفسيّة أو البدنيّة.
أقول: وجعلها بعضهم متعلّقة بأحكام السّورة كلّها.
والمراد بقوله: ما فِي أَنْفُسِكُمْ الأشياء الثّابتة في أنفسكم وتصدر عنها أعمالكم، كالحقد والحسد وألفة المنكرات الّتي يترتّب عليها ترك النّهي عن المنكر. فإنّ السّكوت عن النّهي أمر كبير، يحلّ اللّه عقوبته في الأمّة بسببه، وليس هو مجرّد اتّفاق السّكوت، وإنّما هو باعتبار سببه في النّفس وهو ألفة المنكر والأنس به، وللإنسان عمل اختياريّ في نفسه هو الّذي يحاسب عليه.
نعم إنّ الخواطر والهواجس قد تأتي بغير إرادة الإنسان ولا يكون له فيها تعمّل، ولكنّه إذا مضى معها واسترسل، تحسب عليه عملا يجازى عليه، لأنّه سايرها مختارا وكان يقدر على مطاردتها وجهادها.
وسواء كانت هذه الخواطر والهواجس صادرة عن ملكة في النّفس تثيرها، أو عن شي ء لا يدخل في حيّز الملكة.
مثال ذلك الحسود تبعث ملكة الحسد في نفسه خواطر الانتقام من المحسود، والسّعي في إزالة نعمته، لتمكّنها في نفسه وامتلاكها لمنازع فكره، وهذه الخواطر ممّا يحاسب عليها أبداها أو أخفاها، إلّا أن يجاهدها ويدافعها، فذلك ما يكلّفه.
ومثال الثّاني: المظلوم يذكر ظالمه فيشتغل فكره في دفع ظلمه والهرب من أذاه، وربّما استرسل مع خواطره إلى أن تجرّه إلى تدبير الحيل للإيقاع به، ومقابلة ظلمه بما هو شرّ منه، فيكون مؤاخذا عليها، أبداها أو أخفاها، وقد قال تعالى: ... لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ* كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ المائدة:
78 -79، وذلك أنّ فظاعة المنكر زالت من نفوسهم بالأنس بها من أوّل الأمر.
وهكذا يقال في كلّ أعمال القلب الّتي أمرنا الشّرع بمجاهدتها، ولا يدخل في هذا ما يمرّ في النّفس من الخواطر والوساوس، كما قيل. وبنوا عليه أنّ الصّحابة رضي اللّه عنهم شقّ عليهم العمل بالآية وشكوا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم