فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 844
على الأضعف، وفي الغرض المسوق له الكلام في سياق الإثبات، وما في النّفي يعمّ الخير والشّرّ.
والمحاسبة: مشتقّة من الحسبان، وهو العدّ، فمعنى"يحاسبكم"في أصل اللّغة: يعدّه عليكم، إلّا أنّه شاع إطلاقه على لازم المعنى، وهو المؤاخذة والمجازاة، كما حكى اللّه تعالى: إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ الشّعراء: 113.
وشاع هذا في اصطلاح الشّرع، ويوضّحه هنا قوله:
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ. (2: 592)
مغنيّة: قد ترد على قلب الإنسان خواطر سوداء لا يتمكّن من دفعها، كما لو تمنّى أن تهدم دار فلان، أو تدهسه سيّارة، ولا حساب ولا عقاب على هذه ما دامت مجرّد خواطر لا يظهر لها أثر في قول أو فعل، لأنّها خارجة عن القدرة، فالتّكليف بها سلبا أو إيجابا تكليف بما لا يطاق.
وقد يعزم على المعصية عزما أكيدا، ويهمّ بها عن تصميم، حتّى إذا أوشك أن يفعل أحجم وتراجع: إمّا خوفا من اللّه سبحانه، وإمّا خوفا من النّاس. والأوّل مأجور، لأنّ إحجامه خوفا منه تعالى يعدّ توبة وإنابة يثاب عليها، والثّاني غير مأجور ولا موزور، لا يثاب ولا يعاقب تفضّلا من اللّه وكرما، فلقد جاء في الحديث:
إذا همّ العبد بحسنة فلم يفعلها كتبت له حسنة، فإن فعلها كتبت له عشرا، وإن همّ بسيّئة فعملها كتبت سيّئة واحدة، فإن لم يعملها لم تكتب شيئا. (1: 453)
الطّباطبائيّ: الإبداء هو الإظهار مقابل الإخفاء، ومعنى ما فِي أَنْفُسِكُمْ ما استقرّ في أنفسكم، على ما يعرفه أهل العرف واللّغة من معناه، ولا مستقرّ في النّفس إلّا الملكات والصّفات من الفضائل والرّذائل: كالإيمان والكفر والحبّ والبغض والعزم وغيرها، فإنّها هي الّتي تقبل الإظهار والإخفاء.
أمّا إظهارها فإنّما تتمّ بأفعال مناسبة لها تصدر من طريق الجوارح، يدركها الحسّ، ويحكم العقل بوجود تلك المصادر النّفسيّة المسانخة لها؛ إذ لو لا تلك الصّفات والملكات النّفسانيّة- من إرادة وكراهة وإيمان وكفر وحبّ وبغض وغير ذلك- لم تصدر هذه الأفعال، فبصدور الأفعال يظهر للعقل وجود ما هو منشأها.
وأمّا إخفائها فبالكفّ عن فعل ما يدلّ على وجودها في النّفس.
وبالجملة ظاهر قوله: ما فِي أَنْفُسِكُمْ الثّبوت والاستقرار في النّفس، ولا يعني بهذا الاستقرار التّمكّن في النّفس؛ بحيث يمتنع الزّوال كالملكات الرّاسخة، بل ثبوتا تامّا يعتدّ به في صدور الفعل، كما يشعر به قوله: (ان تبدوا) وقوله: (او تخفوها) فإنّ الوصفين يدلّان على أنّ ما في النّفس بحيث يمكن أن يكون منشأ للظّهور أو غير منشإ له وهو الخفاء، وهذه الصّفات يمكن أن تكون كذلك سواء كانت أحوالا أو ملكات. وأمّا الخطورات والهواجس النّفسانيّة الطّارقة على النّفس من غير إرادة من الإنسان، وكذلك التّصوّرات السّاذجة الّتي لا تصديق معها، كتصوّر صور المعاصي من غير نزوع وعزم، فلفظ الآية غير شامل لها ألبتّة، لأنّها كما عرفت غير مستقرّة في النّفس، ولا منشأ لصدور الأفعال.
فتحصّل: أنّ الآية إنّما تدلّ على الأحوال والملكات