فهرس الكتاب

الصفحة 7175 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 845

النّفسانيّة الّتي هي مصادر الأفعال من الطّاعات والمعاصي، وأنّ اللّه سبحانه وتعالى يحاسب الإنسان بها، فتكون الآية في مساق قوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ البقرة: 225، وقوله تعالى: فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ البقرة: 283، وقوله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا الإسراء: 36، فجميع هذه الآيات دالّة على أنّ للقلوب وهي النّفوس أحوالا وأوصافا يحاسب الإنسان بها، وكذا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ النّور: 19، فإنّها ظاهرة في أنّ العذاب إنّما هو على الحبّ الّذي هو أمر قلبيّ، هذا.

فهذا ظاهر الآية ويجب أن يعلم: أنّ الآية إنّما تدلّ على المحاسبة بما في النّفوس سواء أظهر أو أخفي. وأمّا كون الجزاء في صورتي الإخفاء والإظهار على حدّ سواء، وبعبارة أخرى كون الجزاء دائرا مدار العزم، سواء فعل أو لم يفعل، وسواء صادف الفعل الواقع المقصود أو لم يصادف- كما في صورة التّجرّي مثلا- فالآية غير ناظرة إلى ذلك.

وقد أخذ القوم في معنى الآية مسالك شتّى، لمّا توهّموا أنّها تدلّ على المؤاخذة على كلّ خاطر نفسانيّ مستقرّ في النّفس أو غيره، وليس إلّا تكليفا بما لا يطاق، فمن ملتزم بذلك ومن مؤوّل يريد به التّخلّص.

فمنهم من قال: إنّ الآية تدلّ على المحاسبة بكلّ ما يرد القلب، وهو تكليف بما لا يطاق، لكنّ الآية منسوخة بما يتلوها من قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها الآية.

وفيه: أنّ الآية غير ظاهرة في هذا العموم كما مرّ، على أنّ التّكليف بما لا يطاق غير جائز بلا ريب، على أنّه تعالى يخبر بقوله: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ الحجّ: 78، بعدم تشريعه في الدّين ما لا يطاق.

ومنهم من قال: إنّ الآية مخصوصة بكتمان الشّهادة ومرتبطة بما تقدّمتها من آية الدّين المذكورة فيها، وهو مدفوع بإطلاق الآية، كقول من قال: إنّها مخصوصة بالكفّار.

ومنهم من قال: إنّ المعنى: إن تبدوا بأعمالكم ما في أنفسكم من السّوء، بأن تتجاهروا وتعلنوا بالعمل أو تخفوه، بأن تأتوا الفعل خفية، يحاسبكم به اللّه.

ومنهم من قال: إنّ المراد بالآية: مطلق الخواطر إلّا أنّ المراد بالمحاسبة: الإخبار، أي جميع ما يخطر ببالكم سواء أظهرتموها أو أخفيتموها، فإنّ اللّه يخبركم به يوم القيامة، فهو في مساق قوله تعالى: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ المائدة: 105، ويدفع هذا وما قبله بمخالفة ظاهر الآية، كما تقدّم. (2: 436)

مكارم الشّيرازيّ: الذّنوب الّتي يرتكبها الإنسان بعضها ذات طابع خارجيّ وبعضها باطنيّ قلبيّ، مثل كتمان الشّهادة، ومثل الشّرك. تشير هذه الآية إلى أنّ اللّه لا يحاسب على الذّنوب الظّاهرة فحسب، بل أنّه يحاسب على الذّنوب الباطنيّة أيضا، لأنّه هو الحاكم على العالم بأرضه وسماواته، ولا يخفى عليه شي ء. إنّ الّذي لا يحاسب على الذّنوب الباطنيّة هو الّذي لا علم له بأسرار السّماوات والأرض وظاهر العالم وباطنه، لا اللّه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت