فهرس الكتاب

الصفحة 7214 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 884

وأوان إلى نعم اللّه عليه، فيتقطّع قلبه بذلك.

ولذلك قيل:

لا مات أعداؤك بل خلّدوا ... حتّى يروا منك الّذي يكمد

لا زلت محسودا على نعمة ... فإنّما الكامل من يحسد

الثّاني: أنّ النّاس يعلمون أنّ المحسود لا بدّ وأن يكون ذا نعمة، فيستدلّون بحسد الحاسد على كونه مخصوصا من عند اللّه بأنواع الفضائل والمناقب. وأعظم الفضائل ممّا لا يستطاع دفعه وهو الّذي يورث الحسد، فصار الحسد من أقوى الدّلائل على اتّصاف المحسود بأنواع الفضائل والمناقب.

الثّالث: أنّ الحاسد يصير مذموما بين الخلق ملعونا عند الخالق، وهذا من أعظم المقاصد للمحسود.

الرّابع: وهو أنّه سبب لازدياد مسرّة إبليس؛ وذلك لأنّ الحاسد لمّا خلا عن الفضائل الّتي اختصّ المحسود بها، فإن رضي بذلك استوجب الثّواب العظيم، فخاف إبليس من أن يرضى بذلك فيصير مستوجبا لذلك الثّواب، فلمّا لم يرض به بل أظهر الحسد فاته ذلك الثّواب واستوجب العقاب، فيصير ذلك سببا لفرح إبليس وغضب اللّه تعالى.

الخامس: أنّك عساك تحسد رجلا من أهل العلم وتحبّ أن يخطئ في دين اللّه وتكشف خطأه ليفتضح، وتحبّ أن يخرس لسانه حتّى لا يتكلّم، أو يمرض حتّى لا يعلم ولا يتعلّم. وأيّ إثم يزيد على ذلك، وأيّ مرتبة أخسّ من هذه.

وقد ظهر من هذه الوجوه أيّها الحاسد أنّك بمثابة من يرمي حجرا إلى عدوّه ليصيب به مقتله فلا يصيبه، بل يرجع إلى حدقته اليمنى فيقلعها، فيزداد غضبه، فيعود ويرميه ثانيا أشدّ من الأوّل فيرجع الحجر على عينه الأخرى فيعميه فيزداد غيظه، ويعود ثالثا فيعود على رأسه فيشجّه، وعدوّه سالم في كلّ الأحوال، والوبال راجع إليه دائما، وأعداؤه حواليه يفرحون به ويضحكون عليه، بل حال الحاسد أقبح من هذا، لأنّ الحجر العائد لم يفوّت إلّا العين، ولو بقيت لفاتت بالموت.

وأمّا حسده فإنّه يسوق إلى غضب اللّه وإلى النّار، فلأن تذهب عينه في الدّنيا خير له من أن يبقى له عين ويدخل بها النّار.

فانظر كيف انتقم اللّه من الحاسد إذا أراد زوال النّعمة عن المحسود، فما أزالها عنه ثمّ أزال نعمة الحاسد تصديقا لقوله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فاطر: 43.

فهذه الأدوية العلميّة، فمهما تفكّر الإنسان فيها بذهن صاف وقلب حاضر انطفأ من قلبه نار الحسد.

وأمّا العمل النّافع فهو أن يأتي بالأفعال المضادّة لمقتضيات الحسد، فإن بعثه الحسد على القدح فيه كلّف لسانه المدح له، وإن حمله على التّكبّر عليه كلّف نفسه التّواضع له، وإن حمله على قطع أسباب الخير عنه كلّف نفسه السّعي في إيصال الخيرات إليه. فمهما عرف المحسود ذلك طاب قلبه وأحبّ الحاسد، وذلك يفضي آخر الأمر إلى زوال الحسد من وجهين:

الأوّل: أنّ المحسود إذا أحبّ الحاسد فعل ما يحبّه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت