المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 885
الحاسد، فحينئذ يصير الحاسد محبّا للمحسود ويزول الحسد حينئذ.
الثّاني: أنّ الحاسد إذا أتى بضدّ موجبات الحسد على سبيل التّكلّف يصير ذلك بالآخرة طبعا له فيزول الحسد عنه.
المسألة السّابعة: اعلم أنّ النّفرة القائمة بقلب الحاسد من المحسود أمر غير داخل في وسعه، فكيف يعاقب عليه؟ وأمّا الّذي في وسعه أمران: أحدهما: كونه راضيا بتلك النّفرة، والثّاني: إظهار آثار تلك النّفرة من القدح فيه، والقصد إلى إزالة تلك النّعمة عنه وجرّ أسباب المحبّة إليه، فهذا هو الدّاخل تحت التّكليف. (3: 236)
النّسفيّ: (حسدا) مفعول له أي لأجل الحسد، وهو الأسف على الخير عند الغير. (1: 68)
أبو حيّان: انتصاب (حسدا) على أنّه مفعول من أجله، والعامل فيه (ودّ) أي الحامل لهم على ودادة ردّكم كفّارا هو الحسد.
وجوّزوا فيه أن يكون مصدرا منصوبا على الحال، أي حاسدين، ولم يجمع لأنّه مصدر. وهذا ضعيف، لأنّ جعل المصدر حالا لا ينقاس. وجوّزوا أيضا أن يكون نصبه على المصدر والعامل فيه فعل محذوف يدلّ عليه المعنى، التّقدير حسدوكم حسدا.
والأظهر القول الأوّل، لأنّه اجتمعت فيه شرائط المفعول من أجله. (1: 348)
نحوه الآلوسيّ: (2: 357)
رشيد رضا: فهو بيان لما يضمرونه وما تكنّه صدورهم للمسلمين من الحسد على نعمة الإسلام الّتي عرفوا أنّها الحقّ، وأنّ وراءها السّعادة في الدّارين، ولكنّهم شقّ عليهم أن يتبعوهم فتمنّوا أن يحرموا هذه النّعمة ويرجعوا كفّارا كما كانوا، وذلك شأن الحاسد يتمنّى أن يسلب محسوده النّعمة ولو لم تكن ضارّة به، فكيف إذا كان يعلم أنّ تلك النّعمة إذا تمّت وثبتت يكون من أثرها سيادة المحسود عليه وإدخاله تحت سلطانه، كما كان يتوقّع علماء يهود في عصر التّنزيل.
وقد جاء هذا التّنبيه تتمّة لقوله تعالى قبل آيات:
ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ البقرة: 105، وقد بيّن اللّه لنا ما كان من محاولة أهل الكتاب وتحيّلهم على تشكيك المسلمين في دينهم، كقول بعضهم لبعض: بأن يؤمنوا أوّل النّهار ويكفروا آخره، لعلّ ضعفاء الإيمان يرجعون عن الإسلام اقتداء بهم، كما سيأتي في سورة آل عمران: 30. وفي هذه الآية وما بعدها إشارة إلى أنّ لذلك بعض الأثر في نفوس بعض المسلمين.
وفائدة هذا التّنبيه أو التّنبيهات أن يعلم المسلمون أنّ ما يبدو من أهل الكتاب أحيانا من إلقاء الشّبه على الإسلام وتشكيك المسلمين فيه إنّما هو مكر السّوء يبعث عليه الحسد، لا النّصح الّذي يبعث عليه الاعتقاد.
وقال: حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ليبيّن أنّ حسدهم لم يكن عن شبهة دينيّة أو غير على حقّ يعتقدونه، وإنّما هو خبث النّفوس وفساد الأخلاق والجمود على الباطل، وإن ظهر لصاحبه الحقّ ولذلك قفّاه بقوله: مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُ أي بالآيات الّتي جاء بها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وبانطباق ما يحفظون من بشارات كتبهم