فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 108
منه دون الحسن، فإنّ ذلك ممّا لا يخطر ببال أحد، لا سيّما بعد قوله تعالى: (اجرهم) و (لنجزينّهم) بحسب أحسن أفراد أعمالهم، على معنى لنعطينّهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم المذكورة ما نعطيه بمقابلة الفرد الأعلى منها من الأجر الجزيل، لا أنّا نعطي الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة في مراتب الحسن، بأن نجزي الحسن منها بالأجر الحسن والأحسن بالأحسن.
وفيه ما لا يخفى من العهدة الجميلة باغتفار ما عسى يعتريهم في تضاعيف الصّبر من بعض جزع، ونظمه في سلك الصّبر الجميل، أو لنجزينّهم بجزاء أحسن من أعمالهم.
وأمّا التّفسير بما ترجّح فعله من أفعالهم كالواجبات والمندوبات، أو بما ترجّح تركه أيضا كالمحرّمات والمكروهات، دلالة على أنّ ذلك هو المدار للجزاء دون ما يستوي فعله وتركه كالمباحات، فلا يساعده مقام الحثّ على الثّبات على ما هم عليه من الأعمال الحسنة المخصوصة والتّرغيب في تحصيل ثمراتها، بل التّعرّض لإخراج بعض أعمالهم عن مداريّة الجزاء، من قبيل تحجير الرّحمة الواسعة في مقام توسيع حماها.
الآلوسيّ: وهو الصّبر فإنّه من الأعمال القلبيّة، والكلام على حذف مضاف، أي لنجزينّهم بجزاء صبرهم، وكان الصّبر أحسن الأعمال لاحتياج جميع التّكاليف إليه، فهو رأسها، قاله أبو حيّان. [ثمّ نقل كلام أبي السّعود] (14: 225)
مغنيّة: إنّ قوله هذا يؤمي إلى أنّه تعالى يجزي الصّابرين بالثّواب على أحسن أعمالهم، أمّا أعمالهم الحسنة والسّيّئة فإنّه لا يجزيهم عليها بشي ء، فهل هذا المعنى هو المراد من الآية؟
الجواب: أنّ أعمال الإنسان تنقسم إلى طاعات واجبة ومستحبّة، ومعاص، ومباحات، وليس من شكّ أنّ أحسنها الطّاعات، وأقبحها المعاصي، واللّه سبحانه يثيب الصّابرين على جميع ما يفعلونه من الطّاعات ومنها الصّبر في طاعة اللّه، وهو أفضلها وأشرفها. أمّا المباحات فلا يستحقّ فاعلها ثوابا ولا عقابا. فالمراد: بأحسن ما كانوا يعملون الطّاعات بشتّى صورها وأشكالها، وليس المراد الصّبر فقط.
أجل، إنّ اللّه سبحانه صرّح بأنّه يجزي الصّابرين على حسناتهم، وسكت عن سيّئاتهم، وفي هذا السّكوت وعد أو شبه وعد بأنّه تعالى يغفرها برحمته وفضله.
الطّباطبائيّ: بِأَحْسَنِ ... الباء للمقابلة، كما في قولنا: بعت هذا بهذا وليست المراد بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ: الأحسن من أعمالهم، في مقابل الحسن منها، بأن يميّز اللّه سبحانه بين أعمالهم الحسنة فيقسّمها إلى حسن وأحسن، ثمّ يجزيهم بأحسنها ويلغي الحسن، كما ذكره بعضهم، فإنّ المقام لا يؤيّده وآيات الجزاء تنفيه والرّحمة الواسعة الإلهيّة تأباه. وليس المراد به الواجبات والمستحبّات من أعمالهم قبال المباحات الّتي أتوابها، فإنّها لا تخلو من حسن، كما ذكره آخرون.
فإنّ الكلام ظاهر في أنّ المراد بيان الأجر على الأعمال المأتيّ بها في ظرف الصّبر ممّا يرتبط به ارتباطا،