فهرس الكتاب

الصفحة 7374 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 162

ويبطل بعضه بعضا فيخلّ بالغرض المطلوب، أو يعجزه تعالى أو يبطل ما أراده من هذا النّظام العجيب الّذي يبهت العقل ويحيّر الفكرة. وقد قال تعالى: هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ الزّمر: 4، وقال تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ الأنعام: 18، وقال تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْ ءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا فاطر: 44، فهو تعالى لا يقهره شي ء ولا يعجزه شي ء في ما يريده من خلقه ويشاؤه في عباده.

فكلّ نعمة حسنة في الوجود منسوبة إليه تعالى، وكذلك كلّ نازلة سيّئة إلّا أنّها في نفسها، أي بحسب أصل النّسبة الدّائرة بين الموجودات المخلوقة منسوبة إليه تعالى، وإن كانت بحسب نسبة أخرى سيّئة، وهذا هو الّذي يفيده قوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا النّساء: 78، وقوله: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ الأعراف: 131، إلى غير ذلك من الآيات.

وأمّا جهة السّيّئة فالقرآن الكريم يسندها في الإنسان إلى نفس الإنسان، بقوله تعالى في هذه السّورة:

ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ النّساء: 79، وقوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ الشّورى: 30، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ الرّعد: 11، وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ الأنفال: 53، وغيرها من الآيات.

وتوضيح ذلك أنّ الآيات السّابقة كما عرفت تجعل هذه النّوازل السّيّئة كالحسنات أمورا حسنة في خلقتها، فلا يبقى لكونها سيّئة، إلّا أنّها لا تلائم طباع بعض الأشياء الّتي تتضرّر بها، فيرجع الأمر بالأخرة إلى أنّ اللّه لم يجد لهذه الأشياء المبتلاة المتضرّرة بما تطلبه وتشتاق إليه بحسب طباعها، فإمساك الجود هذا هو الّذي يعدّ بليّة سيّئة بالنّسبة إلى هذه الأشياء المتضرّرة، كما يوضّحه كلّ الإيضاح قوله تعالى: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فاطر: 2.

ثمّ بيّن تعالى أنّ إمساك الجود عمّا أمسك عنه أو الزّيادة والنّقيصة في إفاضة رحمته، إنّما يتّبع أو يوافق مقدار ما يسعه ظرفه، وما يمكنه أن يستوفيه من ذلك، قال تعالى فيما ضربه من المثل: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها الرّعد: 17، وقال: وَإِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ الحجر: 21، فهو تعالى إنّما يعطي على قدر ما يستحقّه الشّي ء وعلى ما يعلم من حاله، قال: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الملك: 14.

ومن المعلوم أنّ النّعمة والنّقمة والبلاء والرّخاء بالنّسبة إلى كلّ شي ء ما يناسب خصوص حاله، كما يبيّنه قوله تعالى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها البقرة: 148، فإنّما يولّي كلّ شي ء ويطلب وجهته الخاصّة به وغايته

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت