فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 163
الّتى تناسب حاله.
ومن هنا يمكنك أن تحدس أنّ السّرّاء والضّرّاء والنّعمة والبلاء بالنّسبة إلى هذا الإنسان الّذي يعيش في ظرف الاختيار- في تعليم القرآن- أمور مرتبطة باختياره، فإنّه واقع في صراط ينتهي به بحسن السّلوك وعدمه إلى سعادته وشقائه، كلّ ذلك من سنخ ما لاختياره فيه مدخل.
والقرآن الكريم يصدّق هذا الحدس، قال تعالى:
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ الأنفال: 53، فلما في أنفسهم من النّيّات الطّاهرة والأعمال الصّالحة دخل في النّعمة الّتي خصّوا بها، فإذا غيّروا غيّر اللّه بإمساك رحمته، وقال:
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ الشّورى: 30، فلأعمالهم تأثير في ما ينزل بهم من النّوازل ويصيبهم من المصائب، واللّه يعفو عن كثير منها.
وقال تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ... النّساء: 79
وإيّاك أن تظنّ أنّ اللّه سبحانه حين أوحى، هذه الآية إلى نبيّه صلّى اللّه عليه وآله نسي الحقيقة الباهرة الّتي أبانها بقوله:
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ ءٍ الزّمر: 62، وقوله: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ ءٍ خَلَقَهُ السّجدة: 7، فعدّ كلّ شي ء مخلوقا لنفسه حسنا في نفسه، وقد قال: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا مريم: 64، وقال: لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى طه: 52، فمعنى قوله: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ ...
النّساء: 79، أنّ ما أصابك من حسنة- وكلّ ما أصابك حسنة- فمن اللّه، وما أصابك من سيّئة فهي سيّئة بالنّسبة إليك؛ حيث لا يلائم ما تقصده وتشتهيه وإن كانت في نفسها حسنة، فإنّما جرّتها إليك نفسك باختيارها السّيّئ، واستدعتها كذلك من اللّه، فاللّه أجلّ من أن يبدأك بشرّ أو ضرّ.
والآية كما تقدّم وإن كانت خصّت النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بالخطاب، لكنّ المعنى عامّ للجميع، وبعبارة أخرى هذه الآية كالآيتين الأخريين ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا ... وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ ... متكفّلة للخطاب الاجتماعيّ كتكفّلها للخطاب الفرديّ، فإنّ للمجتمع الإنسانيّ كينونة إنسانيّة وإرادة واختيارا غير ما للفرد من ذلك.
فالمجتمع ذو كينونة يستهلك فيها الماضون والغابرون من أفراده، ويؤاخذ متأخّروهم بسيّئات المتقدّمين، والأموات بسيّئات الأحياء، والفرد غير المقدم بذنب المقترفين للذّنوب وهكذا، وليس يصحّ ذلك في الفرد بحسب حكمه في نفسه أبدا، وقد تقدّم شطر من هذا الكلام في بحث أحكام الأعمال في الجزء الثّاني من هذا الكتاب.
فهذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أصيب في غزوة أحد في وجهه وثناياه، وأصيب المسلمون بما أصيبوا، وهو صلّى اللّه عليه وآله نبيّ معصوم، إن أسند ما أصيب به إلى مجتمعه وقد خالفوا أمر اللّه ورسوله، كان ذلك مصيبة سيّئة أصابته بما كسبت أيدي مجتمعه وهو فيهم، وإن أسند إلى شخصه الشّريف، كان ذلك محنة إلهيّة أصابته في سبيل اللّه، وفي طريق دعوته الطّاهرة إلى اللّه على بصيرة، فإنّما هي نعمة