فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 172
بالمعاصي، وهو لا ينافي قوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فإنّ الكلّ منه إيجادا وإيصالا، غير أنّ الحسنة إحسان وامتحان، والسّيّئة مجازاة وانتقام. قال اللّه تعالى:
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ الشّورى: 30. (1: 437)
نحوه شبّر. (2: 72)
الشّوكانيّ: هذا الخطاب إمّا لكلّ من يصلح له من النّاس أو لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تعريضا لأمّته، أي ما أصابك من خصب ورخاء وصحّة وسلامة فمن اللّه بفضله ورحمته، وما أصابك من جهد وبلاء وشدّة فمن نفسك بذنب أتيته، فعوقبت عليه.
وقيل: إنّ هذا من كلام الّذين لا يفقهون حديثا، أي فيقولون: ما أصابك من حسنة فمن اللّه.
وقيل: إنّ ألف الاستفهام مضمرة، أي أفمن نفسك؟
ومثله قوله تعالى: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَ الشّعراء: 22، والمعنى: أو تلك نعمة؟ ومثله قوله:
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبِّي الأنعام: 77، أي أهذا ربّي؟
وقد ورد في الكتاب العزيز ما يفيد مفاد هذه الآية، كقوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ الشّورى: 30، وقوله: أَوَ لَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ آل عمران: 165. (1: 624)
الآلوسيّ: قوله سبحانه: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وعلى ما ذكرنا- ولعلّه الأولى- يكون هذا بيانا للجواب المجمل المأمور به، والخطاب فيه- كما قال الجبّائيّ. وروي عن قتادة- عامّ لكلّ من يقف عليه لا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، كقوله:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللّئيم تمرّدا
ويدخل فيه المذكورون دخولا أوّليّا، وفي إجراء الجواب أوّلا على لسان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وسوق البيان من جهته تعالى ثانيا بطريق تلوين الخطاب، والالتفات إيذان بمزيد الاعتناء به والاهتمام بردّ اعتقادهم الباطل وبزعمهم الفاسد، والإشعار بأنّ مضمونه مبنيّ على حكمة دقيقة حريّة بأن يتولّى بيانها علّام الغيوب عزّ وجلّ، والعدول عن خطاب الجميع، كما في قوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ الشّورى: 30، للمبالغة في التّحقيق بقطع احتمال سببيّة بعضهم لعقوبة الآخرين، و (ما) كما قال أبو البقاء:
شرطيّة، و (اصاب) بمعنى (يصيب) .
والمراد: بالحسنة والسّيّئة هنا ما أريد بهما من قبل، أي ما أصابك أيّها الإنسان من نعمة من النّعم فهي من اللّه تعالى بالذّات. [و ادام مثل أبي السعود إلى آخر حديث النّبيّ عليه السّلام، ثمّ قال:]
وما أصابك من بليّة مّا من البلايا فهي بسبب اقتراف نفسك المعاصي والهفوات المقتضية لها، وإن كانت من حيث الإيجاد منتسبة إليه تعالى، نازلة من عنده عقوبة، وهذا كقوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ وأخرج التّرمذيّ عن أبي موسى قال:"قال رسول اللّه: لا يصيب عبدا نكبة فما فوقها، أو مادونها إلّا بذنب وما يعفو اللّه"