فهرس الكتاب

الصفحة 7388 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 176

عليه أن يرجع على نفسه بالمحاسبة والمعاتبة كلّما أصابته سيّئة، ليعتبر بها ويزداد علما وكمالا، فهذه الآية أصل من أصول علم الاجتماع وعلم النّفس، فيها شفاء للنّاس من أوهام الوثنيّة، وتثبيت في مقام الإنسانيّة.

نحوه المراغيّ (5: 96) ، وابن عاشور (4: 194) .

الطّباطبائيّ: [سبق في تفسير الآية السّابقة]

مغنيّة: قدّمنا أنّ المراد بالحسنة في الآية الأولى:

خير الطّبيعة، وبالسّيّئة: شرّها، وأنّهما من ظواهر الطّبيعة، وهي من صنع اللّه، فصحّت نسبتهما إليه تعالى بهذا الاعتبار.

أمّا المراد بالحسنة في الآية الثّانية، فهو نجاح المرء في هذه الحياة دينا ودنيا، والمراد بالسّيّئة فشله وخذلانه فيهما. وقد نسب اللّه سبحانه هذا النّجاح المعبّر عنه بالحسنة، نسبه إلى نفسه بالنّظر إلى أنّه تعالى قد زوّد الإنسان بالصّحّة والإدراك، وأمره بالعمل من أجل سعادته في الدّارين، فإن امتثل وعمل وبلغ النّجاح نسب نجاحه إلى اللّه، لأنّه هو الّذي أقدره عليه، وزوّده بأدواته، وبهذا اللّحاظ قال تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ. (2: 386)

نحوه فضل اللّه. (7: 363)

عبد الكريم الخطيب: هو استكمال للصّورة الّتي يتحدّد بها موقف الإنسان من الكسب، ومدى مسؤوليّته فيما يعمل من خير أو شرّ، ومن حسن أو قبيح.

فقد بيّن اللّه في قوله سبحانه: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أنّ كلّ شي ء يقع في هذا الوجود هو بتقديره، وعن علمه، وبإرادته وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ الأنعام: 59.

وهذا- على إطلاقه- يعني أنّ الإنسان لا كسب له، وإنّما هو وما يقع منه من أعمال، ليس إلّا مظهرا لإرادة اللّه، وإعلانا لما قضت به مشيئته، وهذا يعني أيضا أنّ الإنسان غير مسؤول عن غيّه أو رشاده، وكفره أو إيمانه؛ إذ لا إرادة له، مع تلك الإرادة الإلهيّة الغالبة، ولا مشيئة مع تلك المشيئة العلويّة القاهرة.

ولكن واقع الإنسان ينبئ عن أنّه ذو إرادة وذو مشيئة، وأنّه يريد ويشاء، وأنّه يقف بين طريقي الخير والشّرّ، فيريد هذا الطّريق أو ذاك، حسب تقديره، ويرتضي الكفر أو الإيمان، حسب مشيئته. ليس هناك قوّة ظاهرة تحمله على أيّ الأمرين، وإنّما ذلك إلى إرادته ومشيئته.

وإذن فهناك معادلتان يراد التّوفيق بينهما: معادلة تقول: الخير والشّرّ جميعا من عند اللّه قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، والمعادلة الأخرى تقول: الخير من عند اللّه، والشّرّ من عمل الإنسان ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ.

والحقّ أنّه مع النّظر والتّأمّل نجد أنّه ليس هناك معادلتان، بل هما معادلة واحدة، وأنّ قوله تعالى:

ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ هي نفس ما تضمّنه قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت