فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 177
عِنْدِ اللَّهِ وأنّه إذا كان اللّه تعالى قد أضاف الخير إلى نفسه، وأضاف الشّرّ إلى الإنسان، فما ذلك إلّا إعمالا لإرادة الإنسان، وإيقاظا لوجوده، وإلّا فإنّ الأمر كلّه للّه، وليس للإنسان منه شي ء، وأنّ على الإنسان في مواجهته للحياة أن يستقلّ بإرادته، وألّا يضيفها إلى اللّه.
فإن حصّل بتلك الإرادة خيرا حمد اللّه عليه، وشكر له أن وفّقه وهداه، وإن حصّل شرّا نظر إلى نفسه، فألقى باللّائمة عليها، وصحّح موقفه الّذي أورده موارد الشّرّ، وذلك على الأقلّ- وإن لم يزحزح الإنسان عمّا أراد اللّه له- يجعل الشّرّ أمرا بغيضا حتّى عند أهله الّذين ساقهم قدرهم إليه، وذلك أضعف الإيمان في مواجهة الشّرّ.
وبهذا يستقيم للإنسانيّة في مجموعها رأي في الخير وفي الشّرّ، فتحتفي بالخير وترضى عنه، وتبغض الشّرّ وتنفر منه. وبهذا يتوازن ميزان الحياة، فيكون فيها الخير والشّرّ، والأخيار والأشرار. الأمر الّذي لا تكون الحياة حياة إلّا بهما، ولا يكون النّاس ناسا إلّا معهما جميعا.
وإذا استقام في الإنسانيّة أنّ الخير طيّب محبوب، وأنّ الشّرّ خبيث مكره، فإنّه مطلوب من الإنسان- كلّ إنسان- أن يسعى جاهدا إلى تحصيل الخير والاستزادة منه، وأن ينفر جاهدا من الشّرّ والتّخفّف منه. وألّا يستولي عليه في حاليه هذين أيّ شعور، بأنّه مهما جدّ وجهد فلن يبلغ من جدّه واجتهاده إلّا ما قدّره اللّه له، وكتبه عليه، فذلك- وإن يكن الحقّ كلّ الحقّ- أمر غير مكشوف له، وأنّ عليه أن يعمل للخير، وأن يجدّ في تحصيله، وأن يدع المصير الّذي هو صائر إليه، لتقدير اللّه وحكمه أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ الشّورى: 53.
مكارم الشّيرازيّ: من أين تأتي الانتصارات والهزائم؟
يشير القرآن في الآيتين إلى وهم آخر من أوهام المنافقين، حين يوضح أنّ هؤلاء إذا أحرزوا نصرا أو غنموا خيرا قالوا: إنّ اللّه هو الّذي أنعم عليهم بذلك، وزعموا أنّهم أهل لهذه النّعمة وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ النّساء: 78.
أمّا إذا مني هؤلاء بهزيمة أو لحقهم أذى في ميدان القتال، ألقوا اللّوم على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وافتروا عليه بقولهم:
إنّ ما نالهم من سوء هو من عنده، متّهمين خططه العسكريّة بالضّعف، من ذلك ما حدث في غزوة أحد، تقول الآية: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ويحتمل بعض المفسّرين أن تكون هذه الآية قد نزلت بشأن اليهود، ويرون أنّ المقصود بالحسنة والسّيّئة- هنا- هو ما كان يحدث من وقائع سارّة وضارّة؛ حيث كان اليهود حين بعثة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ينسبون كلّ حدث سارّ ونافع إلى اللّه، ويعزون حدوث الوقائع الضّارّة إلى وجود النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بين ظهرانيهم، بينما اتّصال الآية بالآيات السّابقة والتّالية- الّتي يدور الحديث فيها عن المنافقين- يدلّ على أنّ المقصود في هذه الآية الأخيرة هم المنافقون.
ومهما يكن من أمر، القرآن الكريم يردّ على هؤلاء مؤكّدا أنّ الإنسان المسلم الموحّد الّذي يؤمن صادقا باللّه ويعبده ولا يعبد سواه، إنّما يعتقد بأنّ كلّ الوقائع والأحداث والانتصارات والهزائم هي بيد اللّه العليم