فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 186
وإنّما أراد تعالى التّرغيب في الطّاعة بتضمّن التّفضّل مع الثّواب، فأمّا المعصية فممّا لا يجوز أن يفعل في عقابها أكثر من المستحقّ، لا عقابا ولا تفضّلا، لأنّ الابتداء بذلك ظلم، تعالى اللّه عنه. فزجر عنه تعالى بالقدر الّذي يصحّ الزّجر به، لأنّ الزّيادة فيه قبيحة، فلا يجوز أن يتوعّد تعالى بها، ولذلك قال عقيبه: وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ مبيّنا بذلك أنّه لا يفعل إلّا القدر المستحقّ. ولو كان الأمر كما قالوا، فالواجب- لو فعل أضعاف ذلك- أن لا يكون ذلك ظلما، فكان لا يكون لهذا القول معنى.
وربّما سألت المرجئة عن هذه المسألة فقالت: إنّه تعالى بيّن أنّ الّذي يستحقّ على الطّاعة أكثر ممّا يستحقّ على المعصية، فيجب في الجامع بين الأمرين أن تكون طاعته أغلب وباستحقاق الجنّة أولى، وهذا يوجب في مرتكبي الكبائر من أهل الصّلاة أنّهم من أهل الجنّة؟
والجواب عن ذلك: أنّ ظاهره إنّما يوجب إزالة هذين القدرين في الطّاعة والمعصية، ولا يدلّ على أنّ جميع ما تضمّنه على الطّاعة مستحقّ، فمن أين أنّ الثّواب للطّائع إذا ارتكب كبيرة أكثر من عقابه؟!
وقد بيّنّا أنّ الآية لا تدلّ على المقدار، فلا يصحّ تعلّقهم بهذا من هذا الوجه أيضا.
على أنّ هذا القول يوجب أن يقطعوا بأنّ الجامع بين الأمرين إذا كان عدد طاعاته أكثر، أن يكون من أهل الجنّة، وليس ذلك قولهم، لأنّهم يجوّزون أن يخلّد في النّار، وأن يعفى عنه بأن لا يدخلها، أو بأن يخرج عنها، ويوجب أن يقطعوا بمثله فيمن كثرت طاعاته ووقعت منه في آخر عمره معصية وكفر.
ويوجب عليهم القول: بأنّ من كثرت معاصيه وزادت على طاعاته، وهو من أهل الصّلاة، أن يكون من أهل النّار قطعا، وكلّ ذلك بخلاف مذهبهم. (1: 270)
الماورديّ: في الحسنة والسّيّئة هنا قولان:
أحدهما: أنّ الحسنة: الإيمان، والسّيّئة: الكفر، قاله أبو صالح.
والثّاني: أنّه على العموم في الحسنات والسّيّئات أن جعل جزاء الحسنة عشر أمثالها تفضّلا، وجعل جزاء السّيّئة مثلها عدلا، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:"أبعد اللّه من غلبت واحدته عشرا".
ثمّ في ذلك قولان:
أحدهما: أنّه عامّ في جميع النّاس.
والثّاني: [قول أبي سعيد الخدريّ]
فأمّا مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها، فلأنّ اللّه فرض عشر أموالهم، وكانوا يصومون في كلّ شهر ثلاثة أيّام وهي البيض منه، فكان آخر العشر من المال آخر جميع المال، وآخر الثّلاثة الأيّام آخر جميع الشّهر.
وأمّا مضاعفة ذلك بسبعمئة ضعف، فلقوله تعالى:
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ البقرة: 261، فضاعف اللّه الحسنة بسبعمئة ضعف، وكان الحسن البصريّ يقرأ (فله عشر امثالها) بالتّنوين، ووجهه في العربيّة صحيح. [و ذكر كلام أبي مسلم الأصفهانيّ ثمّ قال:]
وهذا تأويل فاسد، لخروجه عن عموم الظّاهر، لما لا يحتمله تخصيص العموم، لأنّ ما جمع عشرة أنواع فهو