فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 288
في مقام التّعليل، لما ذكر من إحسانه تعالى عليهم بالجنّتين، وما فيهما من أنواع النّعم والآلاء، فيفيد أنّه تعالى يحسن إليهم هذا الإحسان جزاء لإحسانهم بالخوف من مقام ربّهم.
وتفيد الآية أنّ ما أوتوه من الجنّة ونعيمها جزاء لأعمالهم. وأمّا ما يستفاد من بعض الآيات أنّهم يعطون فضلا وراء جزاء أعمالهم، فلا تعرّض في هذه الآيات لذلك، إلّا أن يقال: (الاحسان) إنّما يتمّ إذا كان يربو على ما أحسن به المحسن إليه. فإطلاق (الاحسان) في قوله:
(الّا الاحسان) يفيد الزّيادة. (19: 110)
عبد الكريم الخطيب: أي إنّ هذا النّعيم الّذي يفاض من اللّه سبحانه وتعالى على المؤمنين في الجنّة، هو جزاء إحسانهم في الدّنيا، وخوفهم مقام ربّهم، كما يقول سبحانه عنهم: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ... وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ الذّاريات: 15 - 18.
وإذا كان هؤلاء المحسنون قد أحسنوا العمل، فإنّ هذا النّعيم الّذي هم فيه لا يعدله إحسان المحسنين، مهما بالغوا في الإحسان، وإنّما هو فضل من اللّه عليهم ومضاعفة للجزاء الحسن، الّذي كانت أعمالهم الحسنة مدخلا إليه، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ يونس: 26. (14: 694)
شوقي ضيف: لكلمة (الاحسان) معنيان: معنى الإتقان في العمل، ومعنى الإنعام على الغير، وقد استخدمت في الآية بالمعنيين جميعا. فكلمة (الاحسان) الأولى يراد بها: إحسان الإنسان في عمله وامتثاله لطاعات ربّه، وكلمة (الاحسان) الثّانية يراد بها:
إحسان اللّه على المتّقين المؤمنين بنعيم الجنّات والرّضوان.
وقيل: بل الإحسان الأوّل: التّوحيد وكلمة الشّهادة، لما روي من أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم تلا الآية، ثمّ قال:
"يقول اللّه: هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلّا أن أسكنه جنّتي وحظيرة قدسي".
وذهب كثير من المفسّرين- منهم البيضاويّ- إلى أنّ الإحسان الأوّل: الإحسان في العمل عامّة، وكأنّ الرّسول عليه السّلام نصّ من هذا الإحسان على أعظم أصنافه، وهو الإيمان بوحدانيّة اللّه اعتقادا وعملا.
وفي الحديث عن أبي ذرّ أنّه قال:"يا رسول اللّه دلّني على عمل يدخلني الجنّة ويباعدني عن النّار".
فقال عليه السّلام:"إذا عملت سيّئة فاعمل بجانبها حسنة فإنّها بعشر أمثالها"، فقال:"يا رسول اللّه: لا إله إلّا اللّه من الحسنات؟"فقال عليه السّلام:"هي أحسن الحسنات"إذ هي الأصل الأوّل في الإيمان ونوره وهداه.
ومن إحسان المؤمن امتثاله لجميع تعاليم الدّين الحنيف والنّهوض بعباداته على الوجه الأكمل، كما جاء في الحديث النّبويّ:"الإحسان: أن تعبد اللّه كأنّك تراه ...". والإحسان بهذا المعنى يتطلّب أن يستشعر المؤمن دائما أنّه بحضرة ربّه يراقبه في كلّ صغيرة وكبيرة في السّرّ وفي العلن، لا تخفى عليه منه خافية. وهو دائما يصفّي له نفسه بالتّوحيد والإخلاص الصّادق والخشية والإنابة والعبادة حقّ العبادة.
ويتردّد في القرآن وصف المؤمنين الّذين عملوا الصّالحات بأنّهم محسنون، كما في آية الزّمر: 33، 34، أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ* لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ