المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 312
أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ، وما بعدها: (127) ، وآيات"الجزاء والأعمال الحسنى" (69 - 79) ، فالعنصر الأصليّ في هذه كلّها هو الجزاء. وبذلك فالجزاء في آياتها يستوعب أكثرها، وهذا فضل من اللّه تعالى؛ حيث قارن الجزاء بالحسنى بهذا الحجم الضّخم.
2 -آيات حسن العمل وحسن القول وحسن القبول، والقرض الحسن، والوعد الحسن، وفعل الحسنة، والشّفاعة الحسنة، والموعظة الحسنة، وأسوة حسنة، والأعمال الحسنة والسّيئة والأعمال الحسنى، وما أحسن النّاس فعله، وما أحسن اللّه عمله، وآيات الإحسان والمحسنين كلّها وصف للأعمال، وهي تعادل آيات الجزاء، أو تقاربها كثرة. ومعنى هذا أنّ الأعمال وجزاءها متلازمان، فلا يدع اللّه عملا بلا جزاء في الدّنيا أو في الآخرة، جزاء يناسبه إن خيرا فخيرا وإن شرّا فشرّا.
خامسا- جاء"أحسن"فعلا ووصفا ومصدرا كالمحسن والمحسنين والإحسان في أكثر الآيات بمعنى"عمل عملا حسنا أيّ عمل كان".
وجاء بمعنيين آخرين:
1 -التّفضّل في آيات: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ (140) ، وبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا* (135 - 139) ، فالإحسان فيها خصوص الإكرام أو التّفضّل والإنفاق بلا طمع أجر وجزاء. قال الطّبرسيّ (2: 380) في يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ:"و الإحسان هو التّفضّل، ولفظ الإحسان جامع لكلّ خير، والأغلب عليه استعماله بإيتاء المال وبذل السّعي الجميل". وقد سبق في النّصوص الفرق بين العدل والإحسان بتفصيل ويأتي في (ع د ل) : فلاحظ.
2 -العلم والمعرفة بعمل، جاء مرّة في نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (169) ، قال الطّوسيّ:(6:
138):"معناه أنّا نعلمك أو نظنّك ممّن يعرف تأويل الرّؤيا، ومن ذلك قول عليّ عليه السّلام:"قيمة كلّ امرئ ما يحسنه"أي ما يعرفه. وقال الزّمخشريّ (2: 319) :"من الّذين يحسنون عبارة الرّؤيا، أي يجيدونها"."
لكن الطّبريّ (12: 215) رجّح فيها قول الضّحّاك وقتادة إنّه بمعنى الإحسان:"كان إذا مرض إنسان في السّجن قام عليه، وإذا احتاج جمع له ..."، ويؤيّده أنّ نفس هذا الخطاب: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ الّذي خاطب به يوسف صاحباه في السّجن قد خاطبه به إخوته أيضا: إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (170) ، ولا يتحمّل هذا معنى إجادة العلم بشي ء بل أرادوا به المحسن عملا والمتفضّل على النّاس دوما، فيبدو أنّ سيماء يوسف عليه السّلام أو سيرته دعت كل من عاشره إلى هذا القول له.
سادسا: في جملة من آياتها اشتدّ الجدال بين المعتزلة والأشاعرة بناء على اختلافهم في أفعال العباد أنّها فعلهم أو فعل اللّه، وفي الكبائر وغيرهما:
1 -أَحْسَنُ الْخالِقِينَ* (84 و85) ، قالت المعتزلة:
تدلّ على أنّ كلّ ما خلقه حسن وحكمة وصواب، فوجب أن لا يكون خالقا للكفر والمعصية، فوجب أن يكون العبد هو الموجد لهما. وأجابت الأشاعرة بأنّ كلّ شي ء من اللّه حسن لا يتّصف بالقبح من حيث إنّه منه!