فهرس الكتاب

الصفحة 7556 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 343

وهو اختيارنا؛ إذ ذكر اللّه تعالى قدرته في صدر سورة الحشر وسطوته على اليهود بإخراجهم من ديارهم، منّا على المسلمين الّذين ما كانوا يحسبون خروجهم منها، فخذلهم وقذف في قلوبهم الرّعب، ونصر اللّه نبيّه عليهم في أوّل المعركة عند التقاء الجمعين.

المحور الثّاني: الحشر في الآخرة في مواضع:

الموضع الأوّل: حشر الوحوش والدّوابّ والطّيور في (9) و (40) وفيهما بحوث:

أ- اختلفوا في حشر البهائم على ثلاثة أقوال:

الأوّل: حشرها: اختلاطها، أي تختلط الحيوانات الضّارية بالحيوانات الأليفة من دون أن يتعرّض بعضها لبعض، وذلك لشدّة هول السّاعة.

الثّاني: حشرها: جمعها، قال ابن عبّاس:"تحشر الوحوش غدا، أي تجمع حتى يقتصّ لبعضها من بعض، فيقتصّ للجمّاء من القرناء، ثم يقال لها: كوني ترابا فتموت". وقال القشيريّ:"و هذا على جهة ضرب المثل؛ إذ لا تكليف عليها".

الثّالث: حشرها: موتها، أي تموت من الفزع وهول ذلك اليوم، قال الزّمخشريّ:"يقال إذا أجحفت السّنة بالنّاس وأموالهم: حشرتهم السّنة".

ب- تبيّن من هذه الأقوال أنّهم على فريقين:

الأوّل: يرى أنّ البهائم تحشر يوم القيامة كما يحشر الجنّ والإنس، والثّاني: يرى أنّها لا تحشر ولا تبعث في ذلك اليوم. وقال الطّوسيّ:"و ذلك أنّ اللّه تعالى يحشر الوحوش ليوصل إليها ما تستحقّه من الأعواض على الآلام الّتي دخلت عليها، وينتصف لبعضها من بعض، فإذا عوّضها اللّه تعالى، فمن قال العوض دائم قال: تبقى منعّمة على الأبد، ومن قال: العوض يستحقّ منقطعا اختلفوا، فمنهم من قال: يديمها اللّه تفضّلا لئلّا يدخل على العوض غمّ بانقطاعه، ومنهم من قال: إذا فعل بها ما تستحقّه من الأعواض جعلها ترابا".

وقال الميبديّ:"منهم من قال: إنّ القصاص ساقط عنها فيما يؤلم بعضها بعضا، وأمّا ما ينالها من الآلام والشّدائد فإنّها لا محالة تعوّض عنها. ثمّ إنّ منهم من يقول: إنّها تعوّض في الدّنيا، ومنهم من يقول: في الآخرة، ومنهم من يقول: في الجنّة، وقال بعضهم: يخلق اللّه لها رياضا فترعى فيها، وقال بعضهم: يعني ما ليس لأهل الجنّة في إبقائها أنس، وما كان لهم في لقائها أو صوتها أنس يدخلها الجنّة".

وقال الطّباطبائيّ:"ظاهر الآية من حيث وقوعها في سياق الآيات الواصفة ليوم القيامة أنّ الوحوش محشورة كالإنسان، ويؤيّده قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ ءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ الأنعام: 38، وأمّا تفصيل حالها بعد الحشر وما يؤول إليه أمرها، فلم يرد في كلامه تعالى، ولا فيما يعتمد عليه من الأخبار ما يكشف عن ذلك. نعم ربّما استفيد من قوله في آية الأنعام: أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ، وقوله: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ ءٍ بعض ما يتّضح به الحال في الجملة لا يخفى على النّاقد المتدبّر، وربّما قيل: إنّ حشر الوحوش من أشراط السّاعة لا ممّا يقع يوم القيامة، والمراد به خروجها من غاباتها وأكنانها".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت