المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 342
والإنس والطّير، سواء كانت (من) في الآية للتّبعيض أو للبيان.
وسخّرت له إضافة إلى ذلك الرّيح والشّياطين، قال تعالى: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ* وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ص: 37 و38، كما أذيبت له عين النّحاس والحديد، قال:
وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ سبأ: 12.
الموضع الرّابع: حشر الطّير لداود في (7) :
أ- عطفت هذه الآية على الآية السّابقة على النّحو التّالي: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ* وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ف (الطّير) مفعول به معطوف على الجبال، و (محشورة) حال معطوف على (يسبّحن) ، والعامل فيهما (سخّرنا) .
وإن قيل: لم جاء الحال في السّابقة فعلا ولم يجئ اسما، أي"مسبّحة"، أو جاء في اللّاحقة فعلا، أي"يحشرن"، فيتطابق الحالان في الاسميّة أو الفعليّة؟
قال الزّمخشريّ:"لمّا لم يكن في الحشر ما كان في التّسبيح من إرادة الدّلالة على الحدوث شيئا بعد شي ء، جي ء به اسما لا فعلا، وذلك أنّه لو قيل: وسخّرنا الطّير يحشرن- على أنّ الحشر يوجد من حاشرها شيئا بعد شي ء، والحاشر هو اللّه عزّ وجلّ- لكان خلفا، لأنّ حشرها جملة واحدة أدلّ على القدرة".
ب- قرأ ابن أبي عبلة والجحدريّ (و الطّير محشورة) برفعهما مبتدأ وخبرا، والواو على ذلك استئنافيّة أو حاليّة. وينتفي بهذه القراءة السّؤال السّابق، لأنّه ليس ثمّ عطف مفعول على مفعول، وحال على حال.
ج- قال ابن عبّاس:"كان داود عليه السّلام إذا سبّح جاوبته الجبال، واجتمعت إليه الطّير فسبّحت معه، فاجتماعها إليه حشرها". وعقّب القرطبيّ قائلا:
"فالمعنى وسخّرنا الطّير مجموعة إليه لتسبّح اللّه معه، وقيل: أي وسخّرنا الرّيح لتحشر الطّيور إليه لتسبّح معه، أو أمرنا الملائكة تحشر الطّيور."
الموضع الخامس: حشر اليهود في (8) (لاوّل الحشر) وفيها بحوث:
أ- اختلفوا فيه، فقالوا: لأوّل الجمع في الدّنيا، وذلك حشر اليهود من بني النّضير ونفيهم من جزيرة العرب، أو هم أوّل من حشروا من أهل الكتاب وأجلوا عن أرض العرب إلى الشّام، أو لأوّل جمعهم للقتال مع المسلمين، لأنّهم لم يجتمعوا له قبل، أو أنّ اللّه فتح على نبيّه في أوّل ما قاتلهم.
ب- عدّ فريق آخر لِأَوَّلِ الْحَشْرِ من إضافة الصّفة إلى الموصوف، وأصله عندهم"الحشر الأوّل"، وجعلوه قبال الحشر الثّاني، فقالوا: الحشر الأوّل حشر بني النّضير من المدينة إلى خيبر، والحشر الثّاني حشرهم من خيبر إلى أرض الشّام، أو حشرهم إلى الشّام في الحشر الأوّل، وحشر النّاس عامّة إلى الشّام أيضا يوم القيامة في الحشر الثّاني، أو إخراجهم إلى الشّام في الحشر الأوّل، والحشر الثّاني نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، أو أوّل الحشر القيامة، وآخره القيام من القبور.
ج- قال يمان بن رباب:"إنّما قال: لِأَوَّلِ الْحَشْرِ لأنّ اللّه سبحانه فتح على نبيّه عليه السّلام في أوّل ما قاتلهم".